التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السارق الرحيم


 
فكرة السّارقُ الرّحيم..

هي فكرة تروادني منذ أيّام الجامعة، عندما كُنا ندرس تاريخ الأنظمة وتطور الفكر السياسي، كنا نمرّ على فترات تاريخيّة يسودها التناقض التّام، ولم يصل الأساتذة الى ذروة الخُلاصة، أو، قد يكونوا قد تحاشوا الخُلاصة.
أتذكّر أن الأستاذ روابحية، مُحاضر مادة الإقتصاد السياسي قد قصّ علينا أنّهُ عوقب بكتابة مقالات بدون أجر لمدة ثمانبة أشهر، لأنّه تفوّه بكلمة ”لي يخاف ربّي ميحكمش“، وهي كلمة مُطلقة لا تعني أحداً.
ففهمت لمَ قد تصل الفكرة الى عقولنا وهي غير ناضجة أو غير مُكتملة الأركان، وقد يكون ذلك جيداً لكي يحرّك الطّالب تلك الأعصاب النّائمة..، ابتعدتُ عن المَوضوع قليلا، ها أنا أعود إليه بتسليط الضوء عن التناقض في بعض الفترات التاريخية، التي يتزاوج فيها التطوّر والتقدّم والإزدهار المَدني والعلمي، مع الديكتاتورية والقهر والتعسف والحُكم الجبريّ!، لن يخالفني الرأي مؤرخ إسلاميّ، عربيّ أو مُستشرق، أن السلاطين المسلمين بعد الخلافة الراشدة كانوا مستبدين استبداداً مَرضياً، ومع ذلك كانت الحضارة بمُقوّماتها في تقدّم مستمر، ولا مثال يعلوا فوق الحاكم المأمون الذي قاتل أخاه على العرش، هو ذاته من صنع أكبر المدارس التاريخية في العلوم والأدب ”بيت الحكمة“، وإذا قفزنا تاريخياً قفزة كبيرة لوجدنا أن الحُكم النازي عرف ذروة التطور الصناعي الألماني، وأكبر تقدم إعلامي وعمراني في أوروبا وقتها، لكن هيتلر كان الشيطان والملك في جسد واحد، فقد حمل ألمانيا ثم ألقاها بشعبها الى البحر.
السارقُ الرحيم، هو السارق الذي يَخدُم محيطهُ، هو الدون كورليوني، هو لوكي لوتشيانو، الذي يتعارك المؤرخون حول ما اذا كان شريراً سفّاحاً..او منقذا لسيسيليا وايطاليا في الحرب العالمية الثانية.
السارق الوضيع، هو الأرنب الذي يحشر الجزر حشراً، يموت وهو يحشر المزيد.. فيفسد ولا يسعد بأكله.
السارق الرحيم هو شرٌ لابد منه، أما الذي لا يسرق من الأساس، فهو أفلاطونيّ، لا صلة له بالحياة.. 

#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....