التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عن كسل أم إنهاك؟



هل أصبح البشر كسالى أم هم يعانون من الإنهاك؟

القضية الأولى: ما الذي حدث لشعوب أوروبا؟ 
بعد الحربين العالميتين الطاحنتين، والتي شهدت أكبر عدد ضحايا في وقت قصير في تاريخ البشرية، خرجت أوروبا مُنهكةً من الدماء التي استبيحت، وانتقلت السياسة العامة بين الغريين شيئا فشيء من الصراع العسكري البشري، إلى الصراع القانوني، أي، انتقل الغربيون إلى ما يسمى الاحتكام إلى القانون والأعراف الدولية، أو عقد قوانين ومواثيق لتسوية الخلافات. وبعد أن تجاوزوا كل الخلافات، انتقلوا إلى مرحلة جديدة قديمة، وهي العودة إلى الصراع الأيديولوجي ما قبل الحربين العالميتين، وهو بين اليمين واليسار في البلد، بين من هم محافظون (القوميين والمتدينين) و(المنفتحين واللاسلطويين)، مع عديد الملفات المستحدثة، مثل الهجرة والتنوع الديني والتفتح الجن.سي والقضية العر.قية التي انتشرت في أوطانهم وصارت حديث آخر عقد.  الشعوب الأوروبية تشهد انهيار آخر ما تبقى لهم من قيم ولا تحرك ساكنا، وعندما نتحدث عن القيم، فهي قيم يتفق عليها المؤمن وغير المؤمن، قيم إنسانية اتفقت على مبادئها كل حضارات العالم منذ القدم، كالتعايش والتبادل والتجارة  والسلم والاستقامة الطبيعية في القضايا الأسرية بكل تفاصيلها.  أما حضارة اليوم، فهي لا تشبه الحضارات السابقة، فهي أكثر حضارة منحلة أخلاقيا، ومع ذلك، لا تجد انتفاضة شعبوية لاستعادة القيم، بل كأننا نشعر بأن الحكومات والشعوب الغربية مستقلين عن بعضهم البعض، الحكومات تسن قوانين تعادي الطبيعة، والشعوب بين ادأقلية موافقة وناشطة سياسيا وإعلاميا، وغالبية معارضة لكنها صامعة وجبانة، فتظهر لنا كأنها غير موجودة، وأن الطرف الآخر يشكل أغلبية.   ما الذي حدث بالضبط؟ هل تعبت شعوب أوروبا من الصراعات والمعارك؟ هل ابتعدت كثيرا عن فكرة الموت من أجل قضية حتى أصبحت تقبل كل شيء فقط لكي تُبقي على روتينها ولذاتها اليومية دون إزعاج؟! 

القضية الثانية: هل نحن (شعوب الجنوب) في طريقنا لهذا الكسل؟
قبل الحديث عن الكسل، هل نحن شعوب منهكة من الحروب؟ -المسألة متشابكة كثيرا، لأن المعارك التي خاضتها شعوب الجنوب من بلاد فارس إلى الرباط عمرها لا يزيد عن خمسون سنة، وهي أدنى من الحروب العالمية التي انتهت قبل ذلك. بالرغم من التفاوت الكبير في حجم الخسائر وكذا في الظرف القصير والمكثف التي وقعت فيها. فصدمة شعوب أوروبا النفسية كبيرة جدا، في ظرف أربعون سنة شهدوا موت 160 مليون ضحية وملايين من حالات الاغت.صاب في ألمانيا وبلدان أخرى. بينما عرفت مناطقنا معارك وإبادات متفرقة زمنيا، ورغم تجذر الاستعمار سياسيا، إلا أن المقاومة الثقافية والدينية بقيت صدا منيعا رهم هشاشتها بالمجمل لا بالتفصيل. نحن شعوب منهكة من ماذا؟ هل نحن شعوب منهكة من الفساد الداخلي حقا؟ من الابتعاد عن الأصل الديني وااثقافي الذي قمنا عليه، ونستنكر له في جسدنا المجتمعي حاليا؟ أم من الطموح التعجيزي للتشبه بالغربيين بأي ثمن؟ 
نحن شعوب مثلها مثل الغربيين، لا تقاوم إلا من أجل اللذة، نقاوم لبقاء هذا الروتين الركيك، والثمن هو قضايا عميقة، قضايا القيم، قضايا الأرض والدين والتاريخ. قد يكون الخمول عن كسل، فقد ترعرعنا في ظروف توفر كل الملذات، فنحن شعوب مخدرة هوايتنا تحفيز هرموناتها صباحا ومساءً، لا تريد ان تسمع عن قضايا تعتبرها مقلقة ومزهجة لراحتها، وسواءً كان هذا الأمر عن خمول أو عن انهاك تاريخي، فنحن والشعوب الغربية نشبه بعضنا في العدمية المفرطة، ونتشارك  في تحطيم المشترك الحضاري في مواضيع حساسة تقودها أقليات يسارية هدفها انهاء كل موروث إنساني طيب.

المقال 351
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....