التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قانون براندوليني (سلطة الهراء)



عندما يكون تصنيع الهراء أسهل بكثير من تكذيبه.

هذا ما يسمى بقانون براندوليني، أو مبدأ عدم تناسق وتناظر الكلام. ومعناه بالمجل هو أن " الأكاذيب والمعلومات المُضللة المنشورة تحتاج إلى جهد لدحضها أكبر بكثير من الجهد المبذول في تلفيقها"

فصناعة الكذب والدعاية لا يحتاج شيئا عدى التفوه به أمام مجموعة أشخاص غير مختصين وتغلب عليهم الحميّة، فانتشاره بين أفراد المجتمع لا يتطلّب دليلا، فإذا كان من السهل إنشاء معلومات خاطئة أو استنتاج أو إدعاء فهم كاذب، وذلك من حيث الجوهر والشكل لا يتطلب سوى بضعة دقائق، فمن المحتمل أن يستغرق الأمر عدة ساعات وربما أيامًا لتفكيك كل نقطة وإظهار زيفها بطرق منهجية متينة. ورغم المجهود القائم، إلا أن هذا لا يضمن نجاحًا، لأن الضّرر قد حلّ بمجرّد إطلاق تلك الدعاية، لأن أكثر من ثمانون بالمائة من الناس لن تتغيّر عواطفهم الميالة للدعاية والكذبة الأولى، حتى بعد إصلاحها علميا.

إن المعالجة العلمية والتصحيحات المنهجية في ذاتها لن تطال مسامع كلّ من تلقوا الكذبة والمغالطة الأولى، وحتى إذا بلغتهم فهم ليسوا من أهل الإختصاص لمناقشتها، بل هم يستقبلون المعلومات حسب ميلهم العاطفي لها.

 ينتقد هذا المبدأ تقنية الدعاية التي تتمثل في نشر المعلومات بشكل همجي ومكثّف، من أجل استغلال سذاجة جمهور معين يتوسّل التفكير السريع بطريقة غريزيّة وعاطفيّة تُداعب انحيازاته المعرفية. 

إن لهذه القضية أصل تاريخي، فقد  صاغ جوناثان سويفت هذا المفهوم في كتاب "فن الكذب السياسي" سنة 1733م: "الكذبة تطير، ثم تتأرجح الحقيقة ببطء بعد ذلك. إن الحقيقة أتت بعدَ فوات الأوان، المهزلة قد انتهت.. وكان للحكاية تأثيرها" .

 تم تعميم هذا المبدأ لأول مرة في سنة 2013، من قبل المبرمج الإيطالي ألبرتو براندوليني [المدرج في الصورة] تحت عنوان: مبدأ عدم تناسق السخافة.  فقد صاغ براندوليني هذا المبدأ بعد سماعه مقابلة للسياسي الإيطالي سيلفيو برلسكوني، أدلى فيها بالعديد من التأكيدات الكاذبة دون أن يستجوبه الصحفي أو أن يناقضه فيها حتى. 

يترتب على هذا القول المأثور أن للمعلومات المضللة ميزة وخطوة استباقسة كبيرة جدا عن الحقيقة، لأن إثبات الحقيقة مكلف كثيرًا من حيث الوقت والطاقة والإمكانيات، بينما إطلاق أحكام عبثية وقصص خيالية ونظريات المؤامرة لا تكلف صاحبها سوى منصّة وحفنة من الأشخاص ليتلقّفوا تلك القصص وينشروها كالنار على الهشيم.

 في العلم والقانون،  يقع عبء "الإثبات" دائمًا على عاتق الشخص الذي يأتي ليؤكد الفرضيات والمعلومات والاستنتاجات والإدّعاءات، وإلا، يمكن لأي شخص تأكيد أي شيء دون أدنى دليل و مرجع..ثم تعمّ الفوضى بعد ذلك.  

"يخبرك قانون براندوليني أنه عندما يكون هناك وقت متساو بين شخص قال شيئًا غير دقيقٍ وغير موثٌّق وشخص  يحاول شرح سبب عدم صحته بالبراهين، فإن الشخص الذي يحاول شرح سبب فساد مقولة المُدّعي يخسر دائمًا" وهذا لأن الجملة الواحدة قد تحمل مغالطات منطقية وعلمية وتاريخية،  يتم إطلاقها في دقيقة، وتلك الأغلاط ستُعجب الناس حتمًا، بينما سيكون من الصّعب إقلاعها من خواطرهم بنفس تلك المدّة... بل يحتاج الأمر استدعاء المصادر والمراجع، وكما أسلفت، لن ينجح الأمر سوى في استرجاع نسبة ضعيفة من المغرر بهم.

المقال 352
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....