الجمال والقوة في تماثيل اليونان..
مقال عماد الدين زناف.
في اليونان القديمة، كانت الثقافة السائدة بينهم أن الجميل في ظاهره جيد في باطنه تلقائيا، أو أن الذي يكون أقل كمالا في أحدهما، عليه أن يجتهد بقوة ليصل إلى ذلك التوازن. فقد كانوا يحبون الكمال إلى درجة أن الرجل عندهم يجب أن يكون: جميل المظهر، قوي البنية (رياضي)، وحكيما عاقلا، فاختصروا هذا الأمر في جملة شهيرة وهي:
Kalos kagathos كالوس كاغاتوس καλὸς κἀγαθός
هو
كالوس التي تعني جميل، كاغاتوس تعني جيد (قوي وصاحب المبادئ)، حيث نرى ذلك في كل تماثيلهم. والمثير أن كثيرًا منهم رفض سقراط وفكره بالكامل فقط لأنه قبيح الوجه والشكل، لأن قبحه جعلهم يشككون في أصوله اليونانية أساسا، وقد كان محل سخرية من مجموعة السفسطائيين الذين كانوا طبقة مثقة وجميلة المظهر.
وحتى بعد 2000 سنة من موته، جاء الفيلسوف نيتشه المحب لإحياء فلسفة يونان ما قبل سقراط، ليصفه بأنه قبيح، إذا عليه أن يصمت.. متهما كذلك أرسطو أنه غير آثيني الدم لأنه من مقدونيا.. وأن هؤلاء قد ساهموا في إنهاء بريق اليونان.
لكن طبعا هذا الحكم تعسفي وملني على نظرة شخصية، لأن اليونانيّون لم ينحصروا في جزرهم، بل كانت الثقافة الهيلينستية تغزو العالم القديم بشكل جعل الشعوب والممالك تقلدهم في كل شيء.
نقل زينوفون في كتابه المذكرات إن سقراط أوضح لشاب من النبلاء أن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الفائدة والفضيلة، الشيء الذي كان مهملا في فلسفة ما قبل سقراط، وبالتالي كان هذا المفهوم أخلاقيًا وجماليًا في آنٍ واحد بعده، وظهر في مجالات متعددة: الحرب، والرياضة، والتربية (بايديا)، وحتى في الحياة السياسية. من حيث التنظيم. مع تقدم العصور وتغير الإنسان، بقيت آثار اليونانيين وخاصة تماثيلهم، وقد تم إحياء العديد منها في فترة النهضة الأوروبية وحتى في بداية القرن العشرين مع بزوغ الفكر الفا.شي والنازي الداعيان للعودة إلى ذلك الزمن.. حتى تساءل العديد من المؤرخين حول إمكانية تشبّه اليونانيين حقًا بهذه التماثيل؟ أم هي عبارة عن مبالغات جمالية؟
في الأصل، لم يكن كالوس كاغاثوس يشير إلا إلى النبيل المولود في عائلة عريقة، الغني، الرجل المتعلّم، والذي يتدرّب بانتظام في "الجمناسيوم". فقد كان الوصول إلى الجمال الجسدي والفضيلة الروحية يتطلّب الكثير من وقت الفراغ المسمى (أوتيوم)وكذا تدريبًا بدنيًا منتظمًا وتكوينًا فكريًا وأخلاقيًا (فلسفة، موسيقى، بلاغة). وبحسب فيرنر ييغر، تطور هذا المفهوم مع الزمن، خصوصًا في العصر الكلاسيكي كما أشرت، ليصبح معيارًا اجتماعيًا للنخبة الأثينية، ثم مثالًا عموم يونانيًا، يُدرّس على أنه المثال الأرقى الذي يجب أن يطمح إليه الرجل. وقد أظهرت دراسات أثرية وأنثروبولوجية بيولوجية أن بعض الأفراد الإغريق، خاصة من الطبقات العليا طبعا، كانوا يتمتعون بـتدريب بدني مكثف، وقد كانت قاعات الجيمناسيوم هي نفسها قاعات الدراسة، إذ يقومون بالرياضة قبل أو بعد سماع الدرس، لكن التماثيل تلك، فهي ليست صورًا واقعية لشخص واحد حقيقي، بل كانت عبارة عن إسقاطات معيارية، فقد كان يأخذ النحّات الصفات الجسدية التي يتمتع به كل فرد على حدا ويجمعه في تمثال واحد.
المؤرخ نايجل سبايفي في The Ancient Olympics (2004) يشير إلى أن التماثيل مثل دوريڤور لبوليكليت أو رامي القرص لمرون تجسّد مقياس الكمال الجسدي، لكنها ليست صورًا دقيقة لأشخاص حقيقيين، إذ لا يوجد لهم اسم مرفق مع النحت، عكس بعض الفلاسفة والنبلاء والملوك. لكن في حالة بعض الرياضيين الحقيقيين، تُظهر الأوصاف التاريخية أنهم كانوا يقتربون بشكل لافت من هذه المثالية، وكمثال على هذا، نجد شهصية رياضية معروفة باسمم "ميلون الكروتوني" في اللقرن السادس قبل الميلاد، وهو بطل المصارعة الأولمبي ست مرات، هو أشهر مثال لرجل جسّد نموذج كالوس كاجاثوس لشخصية واقعية حقيقية. فقد كان قويًا، لكنه كان أيضًا متعلمًا في الفلسفة الفيثاغورية، وجسّد التحكم في الجسد، ومثّل كذلك الانضباط والنظام، فقد تجاوزت شهرته كرياضي، إذ كان بطلًا مدنيًا في كروتوني، بجنوب إيطاليا. يروي بوسانياس في وصف اليونان أن ميلون "كان يحمل ثورًا على كتفيه"، كدليل على قوته الأسطورية. كما يصفه ديودور الصقلي في المكتبة التاريخية كنموذج للكمال البشري. أما عن نهايته المأساوية، إذ قيل إنه مات بعدما علق يده داخل شجرة وتعرض لهجوم الذئاب، فربما هي ترمز إلى تجاوز حد الاعتدال (الهايبريس)، أي انحراف عن المثال اليوناني في التوازن (سوفروسيني)، ولا تمثل حدثا واقعيا. كذلك لدينا بوليداماس السكوتوسي، بطل البانكراتيون في الألعاب ، لأولمبية (حوالي 408 ق.م)، قيل إنه قتل أسدًا بيديه العاريتين، وهناك شخصية ثياغينيس التاسي، ملاكم ومصارع شهير من القرن الخامس قبل الميلاد، قيل إنه حقق 1300 انتصارًا حسب بوسانيا، ونُسبت له كرامات بعد موته.. كلاهما نال التقديس بعد وفاته، مما يعكس مدى التقارب بين الرياضي المثالي والبطل الأسطوري في المخيال اليوناني، وأنه لابد من أن يكون الرجل القوي جسديا، قريبا جدا من الحكمة. أخيرا، قال أفلاطون في كتاب الجمهورية إن التربية البدنية مرتبطة بالتكوين الأخلاقي، وأن الإفراط في أحد الجانبين دون الآخر ينتج عنه كائنت مشوها. وبالتالي لم يكن للجمال الجسدي قيمة إلا إن عكس روحًا نبيلة، حكيمة، ومتزنة.
ومع كل هذه الإيجابيات، لاحقًا، بعد العصر الهلنستي ثم الروماني، أصبح هذا المثال (كالوس كاغاتوس) يعبر عن شيء سطحي، وأحيانًا موضوعًا للسخرية! فقد كان لوقيان السمساطي في حوارات الموتى (القرن الثاني الميلادي) يسخر من الرياضيين المنشغلين بأجسامهم والجاهلين بكل شيء آخر، وهذا ما نراه اليوم في عصرنا، أناس يركزون في تجميل أجسادهم، وهم يفتقرون إلى الشجاعة والثقافة التي تكمّل ذلك.. لكنها، أي المقولة، لا تزال تلهم المحبين للكمال، لأنها تذكرهم بترابط المظهر الخارجي مع القيم الأخلاقية، لكنها في الآن ذاته تطرح أيضًا تساؤلات حول عدالة ربط الفضيلة بالجمال.. مع معرفتنا المسبقة أن للجمال تعريفات كثيرة لم يتفق عليها الفلاسفة إلى يومنا، لكن الأكيد من كل هذا، هو أن محتولة بلوغ الجمال والكمال تجعل الفرد أعلى من الذي لا يحاول فعل ذلك.
#عمادالدين_زناف

تعليقات
إرسال تعليق