التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفة الأديب مع محيطه



-التكنولوجيا والأدب-
في فلسفة الكاتب والمفكر بالمحيط.

لا يجمع الكثيرون بين هذين المصطلحين المتناقضين في الظاهر ولنقل المتباعدين في المعنى والخِدمة، رغم ذلك، وكما ذكرت في قضية اقتران اللغة بالعلوم والفكر ومساهمتها في النتيجة الحضارية للعصر وبروزها في حلّة راقية لازدهاره، فإنّ التكنولوجيا مقترنة تماما بالأدب والأدب مقترن بالتكنولوجـــيا قد يُخيل لكم أنّني سأتحدث عن آلة الطباعة التي شاعت في زمن "إيفان" الرهيب قيصر روسيا، والتي ساهمت في سهولة طباعة الأوراق وكثرة الإصدارات، صحيح ولكن ليس هذا هو موضوع الفقرة. 

الموضوع هو كيف تطور الأدب العالمي مع تطوّر محيط الإنسان. القارئ للأدب الروسي يعلم علم اليقين أنّه أدب نَفسيّ داخليّ بحت. "دوستويفسكي" كان عالماَ نفسيا بامتياز كما ذكر "نيتشه" في أحد كتبه، كذلك عندما تقرأ لـ"تولستوي"، تدرك أنّه شخص يخاطب الأنفس منتقلا من التمرّد إلى الصلاح. قرأت لـ"أنطون تشيخوف"، وفي طيات مسرحياته، تجده يُعالج القضايا الحساسة أُسريا، كثيرا ما كان يحدّث عن نفسيّته وعن الحب، وإذا أردنا ربط تلك الحقبة العظيمة للأدب الروسيّ بالمرحلة التكنولوجية و الآلات، فسوف نتأكد من أنّ روسيا تلك لم تكن مع ركب الدول الغربية المتقدمة، على غرار ألمانيا وفرنسا وسوف أعرّج عليهما، فصبرا.

عندما نتحدّث عن الأدب الروسي، فسنعتبره مأساة البحث عن الدفء، دراسة عاطفية للشخصيات، الأدب الروسي يستدفئ بالقارئ الذي يشعر بقساوة المحيط، إنّه مثل العلاج النفسيّ طويل المدى، تشعر فيه بنقص حادٍ بالمتعة، والمتعة في كلّ زمن منوطة بالتقدم الحضاري التكنولوجي، فالتكنولوجيا رفاهية للإنسان، لأنّها تُسهّل عليه الكثير من المشقة، ولأنّ المتعة تُنسي البشر في الموت وما يتولّد من فكرٍ إذن لن ترحل فكرة الموت بغيابها.

أمّا عن الأدب الفرنسي فالمعروف عنه أنّه أدب المُحيط، ماذا يُقصد بأدب المُحيط؟ هو أدب يتحدّث عمّا يُحيط بالإنسان أدباء فرنسا عِلميّون جداً، تصفّح لـ"مونتيسكيو"، "فولتير" "روسو"، "ديكارت"، وستصل لنفس خلاصتي.
وعلى ذكر "ديكارت" فقد كان رياضياً لدرجة أنّه هو من اخترع الأس، فعلاوة على كونهم فلاسفة المُحيط، لا يخلو الأديب الفرنسي من مساهمة علمية، لا أغمز بهذا الأدب الروسيّ، فأنا أعلم أنّ روسيا تعجّ بالأدباء العلميين، لكنّ هل تعلم أنّ "باسكال" كان كلّ شيء في آن واحد، لذلك تسمى فرنسا بـ بلد "باسكال!"
 وهذا الأمر ما زال، للفرنسيين الفضل في اختراع الليزر، وآلة الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتتشارك اختراع اللقاح، والعديد من الأمور، فالأدب الفرنسي منذ القرن الخامس عشر، لا يخلو من الفلاسفة العلماء، وهذا ما أثّر كثيراً في فكر الفرد الفرنسي الكاتب إذ دائماً ما يفكر الأديب فيها في إصلاح "العالم"، في إنشاء نُظم مثل العقد الاجتماعي لروسو، أدوية، مدارس، إلى غاية اختراع الأسلحة، فرصاصة مينيه غيرت جذريا نوعية السلاح.
كلّ هذه الإرادة، جعلت محيط فرنسا حيويا، رغم بؤساء هيغو، لأنّ التكنولوجيا كانت لها الكلمة العليا، فلم تكن هي الإمبراطورية الأقوى هزوًا، كلّها عوامل تكمل بعضها البعض. إنّ الأدب الفرنسي متأثر بقوة الملوك والتسلح، والفسحة في الثقافة والفنون، ممّا جعل أدبها يفكر فيما وراء فرنسا.

ولكي نتحدث عن الأدب الألماني، فعلينا تأكيد عدم اختلافه عن الأدب الفرنسي كثيرا، لكن ما يختلفان فيه يجعله مُتفرّداً جدّاً، سأقولها وبكل ثقة: ليس هناك بلد قدّم للعالم فلاسفة بالجملة وبالجودة كفلاسفة ألمانيا، ولا حتى اليونان نفسها.
دائما ما يقال، إنّ الأصل ليس في الكمّ، بل في الجودة، وأنا أقول أنّ ألمانيا كسرت هذه القاعدة، انظر إلى ألمانيا اليوم وقارنها باليونان، لماذا تغرق اليونان في الديون؟ لماذا أصبحت اليونان مهددة بالدخول إلى نصب العالم الثالث؟ هل من المعقول أن يسقط بلد "سقراط" و"أفلاطون" و"أرسطو" و"ديوجين" و"أبيقور" وغيرهم سقطةً لا وقفة بعدها؟
 "بلا جزم"، لم أصادف مقالاً ولا تحليلاً منطقيا يتحدث ويحلّل هذه المفارقة. الفرق بينها وألمانيا، هو أنّ ألمانيا لم "تسرق" فلسفة بعيدة عن طبيعتها كما فعل الهلسيتين حين تبنّوا فلسفة الشرق "دون ذكر المصادر"، والأمر الآخر هو أنّ ما فكّك اليونان هو حروب دول المدينة، كما حدث مع إسبرطة وأثينا كبلد من العالم السفليّ وآخر من العالم الأول، رغم أنّهم إغريقيون جميعاً.
ولكي أعود لألمانيا، فهي دولة ثابتة ومستقرة -لا تُقوّلوني ما لم أقله- دخلت في صراعات وتغيّر اسمها، لكنّها دولة مستقرة عرقيا وثقافيا، ممتازة بانغلاقها على ذاتها إلى غاية الحروب العالمية، نعم لديها مستعمرات، لكنّها محتشمة بالمقارنة مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، من هنا بدأنا نفهم مولد الفلسفة الألمانية، العالم من يأخذ من ألمانيا و لا تأخذ من العالم، نظرة الألماني الآري متعالية جدا ومتغطرسة، وعندما يريد "نيتشه" أن يغمزهم بسوء، يكرر ذلك على مسامعهم، لينتقد "كانط" وغيرهم، لأنّه يعود لعائلة بولونيّة الأصل، رغم جذوره الألمانية (حسب جان غرانييه). 
وهل عليّ ذكر سيّد الأمثلة؟ "كارل ماركس" الألماني الذي أحيا روسيا لينين ومعها العالم بأيديولوجية لم تلامس فقط المجتمعات، بل التكنولوجيا والأسلحة والتنظيم والتدريس والأدب والفنون والاقتصاد، دائما ما كانت ألمانيا في سجال مع فرنسا، وعندما يكون خصمك عالي المستوى، فإمّا أن تجاريه وبهذا تصبح أنت أيضا متوافقاً معه، أو يحطّمك وتنتهي تاريخيا وهذا ما لم يحدث لألمانيا في أسوأ حالاتها ضدّ فرنسا في أبهى عصورها.
قوة الثقافة الألمانية لم تجعلها تمر بفراغ ليتمّ ملؤه وغزوه بثقافة أخرى، ويُقال، لولا الولايات المتحدية الأمريكية التي أنقدت فرنسا في شمالها، لأصبح الفرنسيون اليوم يتكلمون الألمانية.
لن تحتاجوا أن أذكر "ليبنتز" و"جوته" و"كانط" و"هيغل" و"شوبنهاور" و"مارتن لوثر" والكثير الكثير، كلّهم أحدثوا ثورات في الأدب والفلسفة. الفلسفة في ألمانيا عبقرية موروثة. الاختراع أيضا يجري في عروق الألمان، فحياتهم كانت مميزة بالرخاء، إنّها بلد القصور الفاخرة.
قد نظلم روسيا إذا وضعناها في هذه المقارنات، بسبب جغرافية روسيا وموقعها الكامن بين آسيا وأوروبا وبعدها عن قلب الحضارة الغربية التي تتمحور في شرق وجنوب القارة. مهما كان، روسيا أنتجت أدباً يتماشى وحالة شعبها والنزاعات على طول حدودها الكبيرة كبر العالم، وليس بالغريب، أن يكون الأدب الروسي هو السيّد في بلداننا، فنحن نعيش ذلك العصر المخطوط في روايات أسياد المشاعر والحسّ والنفس.
أمّا الكتابة والأدب مع التكنولوجيا اليوم، فهما يعيشان المجد، لكنّه مجد مفكّك، لأنّ العالم يشهد شرخاً بين الشمال والجنوب، رغم تصورنا بأنّنا نعايش الغرب، إلاّ أن الفروقات لا تقل عن المئتين من السنين، وليس الأمر في الهواتف والسيارات الأمر في الفلسفة التي ترمي إلى اختراع الهواتف والسيارات.

الكاتب اليوم لم يستنتج من تجارب الأمس، والتجربة التي لا تفتأ تتكرر هي ارتباط النجاح الأدبي بالتحكم بعالم الكاتِب فحتى لو كان قلمك يساوي قلم "كانط"، فلن يتغير شيء في مجتمع لا يفهم قلم "كانط"، لأنّ أدب "كانط"، كان لعالم "كانط"، وأدب فولتير، فقد كان غرضه فرض ثقافة فولتير وأدب تولستوي، كان لتعساء تولستوي، فما هو أدبك؟ لا تُجب لم يكن سؤالاً حقيقياً.

مقال من كتابي الشفق.
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....