التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تجربة طاولة الأكل



تجربة ”طاولة الأكل“
لشرح عملية تحوّل "العلوم" من شيءٍ «محبّذ» إلى شيءٍ «منبوذ».
التجربة من كتاب (حرّروا عقولكم) لـ إدريس أبركان. 

في هذا المثال، تنزل طالبة صغيرة إلى البوفيه الخاص بفندق فخم، فتجد في طاولة كبيرة ما لذ وطاب من المأكولات والحلويات والفواكه، فتبدأ باللّف حول الطاولة ولعابها يتطاير من الشهية. 
وهي كذلك، يحضر النادل ويأمر بغلق باب الفندق! وبعدها يحاصر الفتاة أمام تلك الطاولة الشهية! ويأمر الفتاة بأكل كل تلك المأكولات! فإذا تركت أي شيءٍ من تلك المأكولات، ستدفع ثمنه، وتُطرد من الفندق تحت صافرات الاستهجان من الجميع، عُمال وزبائن!
ليس هذا فحسب، بل وجب أن تأكل كل شيء في ظرف ساعة واحدة فقط، تحت مراقبة النادل وعدّه.

في هذه الحالة، المأكولات لم تتغيّر، ما تغيّر هي النظرة والطريقة والقوانين.

المأكولات هي المواد التي يدرسها الطلاب، الفندق يمثل المدرسة، النادل يمثل المؤسسات التعليمية، الزبائن والعمال هم الأولياء والمدرسون وباقي الناس.  
المشكلة في ضخّ عدد هائل من المعلومات بطريقة إجبارية وبأسلوب يُشبه التعذيب، بالرغم من أن العلم أُكلة شهية وجب أن نستمتع بها، لا أن نأخذها على مضدد وفي وقت محدد، سواءً للاستيعاب أو للامتحان. 

وكذلك العلم وجب أن يُحبّب للطلاب، لا أن يُنفّرهم منه. والمعلوم أن ربط التقييم بالتنقيط أمر سلبي أكثر منه إيجابي، فيصبح لذا الطالب نوع من التوتر عندما يتم التصحيح له، فالتصحيح لا يزال مقروناً بالتوبيخ، بالرغم من أن التصحيح عملية إنسانية مُمتعة وراقية وجب أن نبحث عنها، لكن إذا ما اقترن التصحيح بالتقييم والتنقيط الذي قد يُسفر على إعادة السنة أو الطّرد، فإنه يُنمّي في ذهنية القارىء أن التصحيح أمر سلبي وجب تحاشيه، وكذلك يفعل في باقي حياته، لذلك نجد أن مُعظم الناس لا يحبون من يصحح لهم، لهذه الخلفية التي نشأنا عليها.

بهذه الطريقة انتقلت نظرتنا عن الحلويات (العلوم) من شيء نبحثُ عنه، إلى شيء يجعلنا نشعر بالنفور، خاصة داخل المدارس. فكوّنا أجيالاً تضجر من ذكر الرياضيات والفلسفة كمثال، وضف إليهم ما شئت حسب درجة التنفير التي يشعر بها كل طالب. 

فالمدرسة كوّنت في الناس رُهاباً عِوَضَ أن تدفعهم لغير ذلك. 

فكما يقول دافينشي، لا يجب أن نجعل الطبيعة تشبهنا قصراً، بل علينا أن نعمل على محاكاة الطبيعة والامتثال بها.  فكذلك نقول، لا يجب أن نجعل عقولنا تشبه المدارسي، علينا إخضاع المدارس لتُحاكي عقولنا. وبذلك، علينا نجعل تدريس المادة العلمية بشكل يتماشى وأسلوبنا في حب الحلويات وكل ما لذّ وطاب، وأن نبتعد عن الطرق التقليدية التي تزيد من التوتّر، وتوهم الناس أنهم في تقدّم، بينما يريدون التخلّص من تلك المهام في (حشو المعلومات وتحاشي التقييمات) صباح ومساء كل يوم.
 

المقال 315
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....