التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شعوذة مدرب التنمية



تفكيك منهجيّة روّاد التنمية والتحفيز، 
وكيف ينوّمون العوام.
مقال مخصص عن «المدربين»

إن الحديث في التحفيز والتنمية والتطوير هو شكل من أشكال المصادرة على المطلوب في غالب الأمر، فهو عبارة عن تكرار نفس الآليات بصياغة لغوية تكاد لا تختلف، ونفس الغايات المادية بغلافها الروحاني، رغم اختلاف الأماكن والثقافات والظروف والأزمنة، رغم علمنا أن الإنسان ابن بيئته وليس ابنا للعالم.

المُصادِر على المطلوب هو المستفيد الوحيد من تكرار ما يزعزع الخواطر لدى الحالمين، والتي تتجاوب مع الهرمونات، فربما كرّر مقولاته تلك عقب كلّ صباحية ومساء، ومع مرور كل مجموعة وفريق، وربما شعر بالملل وكشّر عن أنيابه إذا ما ولّى وجهه شطر الحائط، وربما استهزأ كذلك من أسئلة وطلبات هؤلاء الناس بعد مغادرتهم، وقد يسبّ بعضهم في غيبتهم، هؤلاء "الملحون على النجاح"، وقد يجعل من حياة أو أجساد أو طريقة كلام البعض نكتة مع زملاءه المدربين.  فالمدرب يعمل على تحفيز الناس وإقناعهم بأن للنجاح طُرق محددة يصفها لهم، فمن غبر المعقول ألا يصف لهم شيئا من عنده، فالثمن يكون مدفوعاً على ذلك "الاختلاف" وان كان اختلافا في الصياغة كما أسلفت الذكر.

 ويسعى ذلك المدرب على الاختلاف حتى تعظُم ذاته في نفسه، حتى يتوهم أنه أفضل من جرّب وتحدّث في التجارب، وربّما وهِمَ حقا أن الناس بحاجته دون غيره، وقد ينتقلون من رؤيته كشيخ طريقة في التطوير والتحفيز، إلى ربّ لا يخطئ، فيقصدونه في كل تفاصيل حياتهم، حتى تلك التي تتجاوز طلباتهم المادية المغلّفة براموسٍ نفسيّ.

ويتوّهم "المُتحفّزون والمتنمّين" أن مدرّبهم يملك الحلول لمشاكلهم، وأن المدرب والدٌ ومُرشد وطبيب نفسي، وبتوهّم المسكين أن مدرّبه يبادله نفس الاهتمام ونفس الخصوصية، وكذلك يعتقد هؤلاء جميعاً. فالمُتحفّز يعرف مدربّه، بينما مدربّه يعرفُ خلقاً من المُريدين. والعلاقة السامة بينهما تكمن في أنّ المدرّب يوهم مُتحفّزه أن  له مكانةً خاصة في عقله وقلبه، بينما يستحيل أن تكون كذلك، بل تلك المودّة عادة تجارية على لسانه، لكن الغريق يتمسك بطرف قماش.

وقد يوهم تلميذه أن له شيئاً خاصّاً وطاقة متحجّرة ومُكنزة لم تخرج بعد، ولن تخرج إلى العلن حتى يدفع ثمن الدورة كاملةً، فروحانيّة المدرّب والتلميذ مرتبطة بالأجرة، فما لم يدفع ويُكمل الدورة فهو لن يفهم السر، وما لم يدفع لن تُفكّ عقدته. ويقول له أن عليه مواصلة العمل بجدّ، أي، مواصلة السماع  للجمل والطرق التي تجعلك "فريداً" حتى لو لم تكن تملك الجينات المناسبة لما تريد فعله. 
فهو لن يخبركَ بأن قِصر القامة بعد سنّ العشرين، لا يسعفك بأن تكون لاعب كرة سلّة مُحترف، بل يُبقي فيك تلك الإرادة، لأن تفكير الحالم بواقعية خطر على كل مدرّب تنمية وتطوير وتحفيز.

فإذا ولجت مقراتهم، فاعلم أن الإضاءة والكراسي والمايكروفون والشاشات وما يترتّب عليه  من فاتورة كهرباء، هي ما تجعل ثمن دوراتهم غالية، وليس كلامهم الإنشائي، لكنهم يضربون عصفورين بحجرة واحدة، فالمبلغ كفيل بأن يوهم الحالم بأن الدورة غنية بالمعلومات، وكذا يكفي وزيادة ليغتنيَ المدرّب.

ولو عدنا إلى الأستاذية القديمة، فقد كان العلماء والفقهاء لا يحيدون عن منهج التعليم الحقيقي، فلا تعنيهم الأماكن، ولا المال، يل يعنيهم تكوين الطالب، وأما الربح، فهو آخر شيء، لذلك كانت تنزل البركة على الجميع. وقد كان الطالب قديماً يرى في أستاذه قدوة في العلم، بينما يرى حالم اليوم مدربه قدوة في الثراء والشهرة.

ومريدي التنمية والتطوير هم من المستاءين الذين يريدون الانتقام من حياة الفقر والاستهزاء التي عانوا فيها سابقاً، وتعويض قلة حكمتهم ونباهتهم بشراء نباهة وحكمة مطبوخة، علّهم ينجحون في التقليد كآخر الحلول.  وما غرضهم سوى الانتقام من الحبيب الذي رفضهم لفقرهم، ومن زجر الناس لهم لنسبهم المتواضع، أو لعيبٍ خُلُقيّ ما.  فقضيّة الباحث عن المناصب وعن سبلها قضية نفسيّة نابعة عن استياء من نظرة الآخر، فهيهات أن تجد من يريد تقديم شيء لدينه وبلده ولأمته، وأن يضع ذاته جانباً.

وقد يستعملون الخطاب الوعظي الديني، فهو وسيلة لحمايتهم أخلاقيا ومعنوياً، ولكي يكون حديثهم مقبولا غير مخيفاً، فانظر قول "الحمد لله" من طرف نجمٍ ما في مواقع التواصل، لتعرف أن الناس تخرّ ساجدة لمن يبيعها شيئاً من العاطفة الدينية. فالحالمين يطالبون مدربهم ببراءته الدينية، والناس تريد براءة بعضها "ظاهريا" في ذلك أيضاً. 

في الأخير، وكيلا أطيل، الكلام صار كالصورة، تستطيع أن توهم به من تشاء بما تشاء، كمن يعدّل صورته ليضعها في مكانٍ ما من الأرض. والباحث عن المناصب والمكانة والرفعة لن يبلغها إلى بتعلّم الوسائل المؤدية إلى العلوم (علوم الآلة) ثم بالإحاطة بكثير من العلوم، وذلك ما يضع ويُظهر الفوارق بين الناس لا غير، أما المناصب والمادّة فقد تكون بالوراثة دون جهد ولا عمل، وإن ضاعت بسبب جهل صاحبها بعلم الاقتصاد والاستثمار وغيرها. 

المقال 314
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....