التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظرية الفرنسية French Theory



النظرية الفرنسية عبارة عن مَفهوم يُطلق على مجموعة من الأفكار المترابطة والمتشابهة في الغاية، جاءَ بها ثلة من الفلاسفة الفرنسيين بين سنوات الستين والسبعينات. 
ظهرت "النظرية الفرنسية" في الجامعات الأمريكية في سنوات السبعينيات، بعدَ أن سافرت أعمال هؤلاء المفكرين بين الشرق والغرب، ثم عادت الى فرنسا بصيغة النظرية الفرنسية.  ولا يعني "بالنظرية" أنهم عملوا على انشاء فكرة مُوحّدة ومُعيّنة ارادياً، انّما تُسمى كذلك لتقارب أفكار المؤلفين وغزارة أعمالهم، فقد خضعَ جُلّهم الى ما يسمى الفلسفة التفكيكية. 
 قوبلت أعمالهم بحماس كبير، خاصة في كليات الآداب الأمريكية، حيث ساهمت في ظهور دراسات "تفكيكية" جديدة على رأسها "النوع الاجتماعي" و"دراسات ما بعد الاستعمار"، عكس الدراسات السابقة التي كانت "تجمع"، سوف أشرح الفرق بينهما في صدر المقال. 
كان للنظرية الفرنسية أيضًا تأثير قوي في عالم الفنون بكل أصنافه، من الحسيّة الى الماديّة، وذلك بعد غزوها لذهنيات الفنانين بالتفتّح الكامل في جميع الميادين، وعلى رأسها التفتح "الجندري". 
أما عن هؤلاء المؤلفين الرئيسيين المرتبطين بهذه الحركة فهم أسماءٌ يعرفها الكثيرون، بينما لا يعرفون أنهم عبارة عن كُثلة بالنسبة للمنظور الفكري والاجتماعي الجديد، من بينهم لويس ألتوسير، وجان بودريلار، وسيمون دي بوفوار، وهيلين سيكسوس، والفيلسوف الكبير جيل دولوز، وكذا أب التفكيكية المعاصرة جاك دريدا، وصاحب الإسلام والثورة الإيرانية ميشيل فوكو ، وفيليكس جواتاري، ولوس إيريجاراي، وجوليا كريستيفا، والمختص النفسي الكبير جاك لاكان وغيرهُ، أما في الولايات المتحدة، فهناك جوديث بتلر، وغاياتري شاكرافورتي سبيفاك، وستانلي فيش، وإدوارد سعيد، وريتشارد رورتي، وفريدريك جيمسون، وأفيتال رونيل، ودونا هارواي.
ما الاستثناء الفلسفي الفرنسي؟
الانتقال بالعالم الفلسفي من البُنيويّة الى التفكيكية.
يوجد بالفعل في فرنسا تقليد فلسفي، خاصة للفلسفة الألمانية، فقد تأثر الفرنسيون بشكل صارخ بثلاث أعمدة في الفلسفة الجرمانية، هيغل، نيتشه، وهايديجر. لكن للفلسفة الفرنسية ولغتها علاقة وطيدة التي تعود إلى الفيلسوف والرياضياتي رينيه ديكارت، خاصة بعدَ أن كان اول من قرر الكتابة بلغته الأم، وليس باللاتينية. سيطَر الفكر الفرنسي على الساحة الفلسفية طوال مدة عصر التنوير. لكنها عرفت تراجعا طفيفاً مع بداية القرن التاسع عشر، حيث برز فيها فن الرواية كبديل عن المحاولات الفلسفية، وأخذَ الجرمانيون مشعل الفلسفة الى غاية الحرب العالمية الثانية. بعدها، "ابتكرت" فرنسا موقفًا فلسفيًا فريدًا في مواجهة تقليدها الفلسفي لألمانيا نيتشه وشوبنهاور وهيغل وابمانويل كانط قبلهم. فقد ابتَكَرَ مجموعة "النظرية الفرنسية" ما يسمى التفكيك، معتمدين دائما على الفلسفة النيتشاوية في "التمرّد" عن الأخلاق. فصنعوا تياراً ابتَعَدَ عن المفاهيم التقليدية رويداً رويداً، فقد جاءوا بفكرة التحرر الجـ،ـنسي بكل أشكاله، التفتح على الثقافات، انهاء مفهوم الاختلافات العرقيـ،ـة، التمرد على التقاليد العرفية والأخلاقية، الاستهزاء بالديانات، دعم تحرر المرأة اللامشروط، وغيرها من الأفكار الما بعد حداثية. النظرية الفرنسية انطلقت من قاعدة يمينية محافظة، وانتهت الى اليسار المُتـ.طرّف. لذلك أول نقد كان ولا يزال موجّه لها، هو كذبها الصريح وتقويل الفلاسفة التنويريين والألمان ما لم يقولونه، وشرح ما قالوه بطرق تتلاءم وما يريدون الترويج اليه. مثل استعمال ثغرات الفلسفة النيتشية في نقده للأديان، وجعلها دعوة للانسلاخ التام عن كل القيم التي كانت تجعل المجتمع متماسكاً وطبيعياً في مسلكه.  
وهكذا صنع الفرنسيون نظرية ما يسمى "الاستثناء الفرنسي"، فقد عملوا على تفكيك الأسرة والقيم، والعمل على تجزيئ المجزأ، عكس الفلسفة التجميعية، التي كانت تنعي غياب القيم.  
يمكننا القول إن فرنسا قد وجدت طريقة للوجود الفكري بعد الجفاف الذي أصابها. وقد جعلت مادة الفلسفة الزامية لجميع طلاب الباكالوريا، كي تحافظ على هذا التقدم. ورغم الصبغة النقدية في مقالي، الا أن هناك بلا شك مكانة استثنائية للفلسفة في فرنسا. سواءً فلاسفة القرن الرابع عشر الى القرن التاسع عشر، أو هؤلاء الذي جاءوا في الخمسينيات والستينيات بفكر "جديد". 
الفلسفة في فرنسا لا تتمتع بتخصص عكس ألمانيا، انما تتميز بالاستثناء. فقد قرّر مفكّرو الستينيات أن لا "موضوع مُهم للدراسة، انما مصطلحات داخل مصطلحات"، رغم أن فوكو نفسه انتهى الى دراسة "الموضوعات". قرّروا فكرة موت الانسان القديم وعرض فكرة جديدة للإنسان. 
في الأخير، كل ما يذهب الى الولايات المتحدة، ويُقابل بالقبول، يَعودُ سلعة تلسع العالم، فهم من صنعوا منها "نظرية".

#عمادالدين_زناف 
المقال 269

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....