التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مولد الأخلاق عند نيتشه



إذا كان كتاب ما وراء الخير والشّر قد سبب لنيتشه المتاعب من محيطه، مثلهُ مثل نقيض المسيح، وهكذا تكلم زرادشت، يبقى كتاب مولد الأخلاق، أو جينيالوجيا الأخلاق هو العدو رقم واحد لمُتديّني أوروبا. 
وعندنا نتكلم عن الدين، فنحن نتكلم عن النصرانية واليهودية حصراً، بما أنهما موضوع حديث نيتشه، بل هو حديث الأوروبيين، فلم يشكل غيرهما تحولاً ملموساً في هيكل الشعوب هناك.  نستطيع تقسيم كتاب نيتشه هذا إلى خمسة مراحل صنعت الأخلاق التي عليها القارة العجوز!
🔸 المرحلة الأولى؛
«الأقوياء جيّدون، الجيّدون أقوياء، هكذا كانت الأخلاق في عصر السادة والنبلاء، عند مجتمعات ما قبل الأخلاق»
هي صورة ملخصة لنظام الحكم في الإمبراطورية الرومانية الوثنية، السادة والنبلاء هم من يرون الجيّد والسيء، الخير والشر، هم من يصنعون ويحدًدون القيم، صاحب السلطة والمال، هو الذي يحكم على الأشياء بأنها طيبة فتعيش، أو سيئة فتُعدم.  كل القواعد تُبنى بما يليق مع نمرة الملوك والسادة وقادة الجيوش. مادون هؤلاء سيّؤون يمثلون الفوضى والإزعاج.
🔸المرحلة الثانية؛
ثورة العبيد، إن ثورة العبيد في الأخلاق تنطلق عندما يبدأ الاستياء نفسهُ في صناعة القيم، استياء هؤلاء العبيد، ردات فعلهم وأفعالهم كلها تتلخص في تعويض ضعف قدرتهم أمام السًادة، في الانتقام منهم بالخيال!
بعد أن تم احتقراهم من الرومان، عمد اليهود والنصارى الى صناعة أخلاق وقيم جديدة تتماشى واستحالة صعودهم في سلم الحياة الاجتماعية، والعملية، والعلمية، وبما أنهم قد وُصفوا بالسوء، فما يقي لهم إلا أن يصفوا أنفسهم بأنفسهم على أنهم صلحاء وطيبون وزاهدون بالحياة، يدّعون احتقار المال والمناصب حباً في الحياة الأخرى، يقول نيتشه، كمثل الذئب الذي إذا لم يصل العنب انقلب عليه ونعته بمرّ المذاق.
روّج هؤلاء لفكرة أن الحياة بما فيها حقيرة ومن يريد الحياة معرًض لغضب الرب، فالزهد والعيش البسيط أكرم من عيش الملوك عندهم، من هنا أطلق نيتشه مصطلحه أخلاق العبيد.
غرست هذه الأخلاق وتغلغلت في أوروبا لألف سنة، ما يسمى ثورة العبيد الأخلاقية، وقد كان اليهود هم قوّاد هذه الثورة، فإذا كنا لا نراهم اليوم، ذلك لأنهم انتصروا.
🔹 تجتمع أخلاق السادة وأخلاق العبيد في إرادة إنسانية واحدة، ألا وهي إرادة السيطرة والتملّك، التي أسماها لاحقاً بإرادة القوّة. الجميع يبحث عن القوة، من يصل إليها يكون سيّدا، هو من يحدًد معايير الخير والشر، وااذي يفشل فيعا، سيعمل على قلب القيم، ليحدد معاييره الهاصة للخير والشر. 
هؤلاء الذين لا يصلون إلى القوة، عادة ما يعادون الجمال والقوة وااسلطة والمادة،  ويجعلونها أمراً دنيوياً حقيراً لا يستحق المعاناة، ينغمسون في أحلامهم البعيدة. ولخصها نيتشه في قوله، النسور سيّئة جدا، نحن عكس النسور ولا نشبهها، لذلك نحن طيبون معشر الخرفان.
🔸المرحلة الثالثة؛
هي مرحلة  النهضة الأوروبية، نهضة علمية وفلسفية وفكرية حجّمت النصرانية [الكنيسة] واليهودية كثيراً، مع بروز النظريات وتوسّع الفكر وتعميمه، لم يعد لسلطة الأخلاق قوة تردع به هذا المدّ الإنساني الأصيل بقول نيتشه، العودة للإنسان اليوناني ما قبل سقراط.
🔸 المرحلة الرابعة؛
تكبّد العلم والفكر هزيمة نكراء في ليلة الثورة الفرنسية، وعادت السلطة للبابوية والمتدينين، وعاد الردع وترهيب كل من يخرج عن سياق الأخلاق التي رسمها المنتصرون!
وعاد حكم أخلاق العبيد، الذين ما كان لهم أن يتسلموا مقاليد الحكم يوماً.
🔸 المرحلة الخامسة؛
مع سيطرة حكم الأخلاق، وتجذرها في أوروبا، عادت كل ميولات الإنسان وقواه وإراداته إلى نفسه وذاته، لم تختفي بل أصبحت تمزًقه تمزيقاً، فلم يعد يستطيع التعبير عن إرادته وقدرته، فقد صار مثل النسر الذي يكسر منقاره ويخدش جلده، يجلدُ نفسه ويعذبها عوض أن يعبر عن ذلك بأسلوبه الذي جبل عليه، أي بالتنافس مع كل ما هو حي كما كان دائما.
الإنسان في ظل هذا الحكم مريض، كئيب، غاضب ومستاء من حالته.. ما قد يولّد دورة جديدة من ثورة العبيد ضد هذا الحكم الأخلاقيّ.

انتهى ملخّصي لأحد أعمدت كتب نيتشه.
#عمادالدين_زناف 
المقال 252

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....