التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشعور بالذنب.. لا طبيب له



الشعور بالذنب ..لا طَبيبَ لهُ.

هو شعور يقود الفرد إلى الانقلاب على نفسه. برغم كل المحاولات التي جاء بها العصر الحديث ليخفي أعراضه، محاولات تغطية الخراب بالزينة، محاولة العصر لإخماد النيران بأوراق الأشجار. يبدو أن الطب لا يستطيع علاج كل شيء، هذه هي الحقيقة التي يستكبرها الانسان.  في اليابان وإسكندينافيا، يقودُ الشعور بالذنب الى الانتحار، فمن المهم استكشاف أصل هذه المشاعر التي تنخر الانسان، حتى نتمكن من فهمها والتحكم فيها.
الشعور بالذنب هو الشعور بالندم العميق، ندم مؤلم لا حلّ له، فهو مفهوم مرتبط بالخير والشر، ومن المعلوم أن مفاهيم الخير والشر تطورت مع تطوّر الشعوب والحضارات، الخير والشر عرفا تحوّلاً منذ أن جاءت أحكام جديدة تقود الانسان، فقد خضع الى مرحلة أن من يُصنّف الخير هو القوي، وبالتالي كل ما هو ضعيف يُعتبرُ شرّاً، ثم الى مرحلة الدين، وأنه هو من فرّق بين الخير والشّر، دون الأخذ بعين الاعتبار من القويّ ومن الضعيف، وأخيراً، مرحلة الانقلاب على المرحلتين السابقتين، أي، قوانين تقتضي بفرض ما يراه العامّة خيراً، وان كان شرّاً على الخاصّة، الخاصّة النجباء والأغنياء والحكماء.  وبالتالي فإن الشعور بالذنب هو المرض الذي تنتهجه البشرية اليوم، لأن الانسان يمشي عكس طبيعته الأولى والثانية.
اعتبر نيتشه أن الضمير السيئ أو الشعور بالذنب هو المرض العميق الذي يغرق فيه الإنسان تحت ضغط التغييرات التي يمر بها بشكل عام، التغيير الذي يحدث عندما يجد نفسه أسير قوانين المجتمع وأسيراً لمفهوم السلام.
عندما غادر الإنسان البرية، تلك الحياة الخارجة عن القانون، ليدخل عالمًا جديدًا، المسمى بالحضارة والمدنية، وقع في صدمة. صدمته في أن غرائزه القديمة أصبحت لا قيمة لها.  يقارن نيتشه التغيير الجذري الذي مر به الإنسان، بالتغيير الذي حدث من قبل للحيوانات البحرية الأولى، التي شعرت بالرغبة للزحف نحو اليابسة، الأمر الذي حدث بدافع الضرورة، لأن الحيوانات المائية أُجبرت إما على أن تصبح حيوانات برية أو أن تهلك. ان الذي حدث لهذه الحيوانات هو مضمار طويل من محاولة التأقلم، هي التي تعودت على الحرب والتشرد تحت الماء، وفجأة، كما حدث للإنسان، وجدت كل غرائزها مُحطمة القيمة ومعلقة بلا معنى. وتحولت تلك الحيوانات –مثل الانسان-الى اجبارية التفكير، والاستنتاج، والحساب، وتدبير الأسباب والنتائج، والشعور بالتعاسة، والشعور الضمير، والشعور بأعضائهم الفقيرة والضعيفة، وأصبحت –كما أصبح الانسان-أكثر انفتاحًا على سوء الفهم منها على الفهم.
أصبح الانسان ملزماً بأن يتخلى عن غرائزه اللاواعية، ليسترخي على الضمير العقلاني، لكن غرائزهُ الجامحة لم تختف عكس ما يعتقد، بل على العكس، فقد اضطر إلى قلب غرائزه إلى الداخل، في أعمق غرفةٍ من نفسه، ذلك أن قوانين المجتمع الجديدة تنهى عن التعبير عنها بأي شكلٍ كان. ويعود "الفضلُ" في هذا إلى تنظيم الدول للحماية من غرائز الحرية القديمة للإنسانية. 
كل هذه الغرائز للإنسان البرّي، الحر، المتجول، المتشرّد.. ستنقلب على نفسه. وبعد أن يقلب غرائزه القاسية على نفسه، يبدأ الإنسان في إغماء نفسه بكل الطرق، هذا التحوّل هو أعلى "الشرّور" الذي عانت منها الانسانية على الإطلاق –وستعاني منها كثيراً- ، هو مرض لم يشف منه الإنسان، ولن يُشفى منه أبدًا.
الانسانُ المعاصر يعاني من قلة الأعداء والنقص الفادح للمقاومة من الاعتداءات الخارجية، انهُ ينضغِط في نُظُم الأخلاق المفروضة ووجودها، يمزّق نفسه، يعذّب نفسه، يقضم نفسه، يشنقُ نفسه، يعامل نفسه بوحشية باحثاً عن إرادة القوّة التي كانت يوماً سبب سعادته. إنه باختصار مرض الإنسان المتحضر.
يجب تجاوز الشعور بالذنب، لأن المُذنب الحقيقي لا نعلمهُ، هذا الشعور هو نكرانٌ للحياة ببساطة، ذلك أن هذا الشعور كاذب، غير متعلق بخطء مُقترف، انما هو شعور يُثقل كاهل كل انسان، بعد ان سلبوهُ غرائزه، ورحّلوه عن طبيعته.

#عمادالدين_زناف 
المقال 258

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....