التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التكيّف؛ هاجس الفلسفة الجديد



هاجس الفلسفة الجديد: التعامل مع التكيّف!

في كتاب "يجبُ أن نتكيّف، تحت الزامٍ سياسيّ" Il faut s'adapter، تناولت الفيلسوفة "النيتشيّة" باربرا ستيغلر موضوع التكيّف من جوانبه العديدة، خاصة الجانب الفلسفي والإنساني، حيثَ عملت على مسح تاريخي سريع عن التسارع التكنولوجي الذي مس العالم، وقدرة الأفراد على التأقلم أو التكيّف معه، حيثُ أشارت بأن نيتشه، في كتاب Œuvres posthumes، كان قد عبّر عن قلقه من بروز التيلغراف، الذي سيلغي العمل الإنساني، مما سيأثر على طبيعته وجسده وهرموناته، حيث كان متأثراً بالنظرية الداروينية التي ترمي الى تأقلم الانسان مع الوضع، وأشار، أن هذا النوع من التكيّف سيكون مضراً، وهو غير محمود بالمرّة، لكنه واقع وجب التأقلم معه في نفس الوقت. أسست باربرا خطة عمل تاريخية، تدرس بداية ظهور الليبرالية الجديدة في سنوات 1930، وتبلور حكومات جديدة تقود هذا التحوّل الإنساني والحضاري الجديد.
فكرة التكيّف مع الواقع، نقلتنا الى فكرة التأقلم مع هذا التأقلم، يقول نيتشه أننا سنقوم بردود فعلٍ، في زمن ردّ الفعل أصلا، ما سيجعلنا نحوم حول نفس الفكرة العدمية، ذوبان العالم في فكرة وحدة وتوجّه واحد، اضمحلال الثقافات والعادات، وبروز العولمة والفِكر الموحّد، لن يساعد على بروز فكر جديد، ينقذ البشرية من هذا التأقلم السّام. ترعرع نيتشه في نفس الزمن الذي شاع فيه استعمال التليغراف، والصحافة المكتوبة، وقد أشار الى أن هذا العالم الجديد، لا سبيل بعده للرجوع الى الانسان الأعلى. 
تناولت فكرة العود الأبدي، عندما فككت فكرة نيتشه الى مصطلحين، الركود والاغلاق، الأمر الذي يعطّل التطوّر الإنساني نحو الأفضل، وليس التغييرات السطحية في التواصل وتعويضه بالآلة، الركود يُقصد به عدم تطور الانسان تفاعليا، جرّاء التراجع الجسدي والهرموني، وفقدان القدرات البدائية له، والاغلاق، هو البقاء في تلك الحالة، فكر وتوجّه مُوحّد للعالم كله، يجعل منه مغلقاً يُكرّر نفسه، فكما هو معلوم، الاختلاف أصل التقدّم الإنساني، أما القيادة الوحيدة، فتجعل العالم راكداً ومُغلقاُ، ولو ظهرت التغييرات كلها. 
كيف يمكننا أن نبقى بشراً في زمن التليغراف؟ كيف ستكون تعاملاتنا، عندما نتباعد، هكذا أشار نيتشه الى نقد ما بعد الحداثة، وكيف سيعود الانسان، بعد ان تكيّف مع الوضع العالمي، في ظلّ غياب كلّي للصوت الآخر.
يقول، لا نستطيع أن نواصل في فكرة "سنُصبح" الديوجينيزية، المواصلة دون توقف ستجعل العالم لا يطاق ولا يُعاش، ولا يمكن التوقف والركود، الفكرة الأبولونية، خاصة وأن هذا الركود يحدث عندما ينغلق الانسان على توجّه نحو الهاوية. 
التكيّف مع عالم مريض، هل هذا هو الحل الوحيد؟ هكذا وضعت حكومات العالم فكرتها النهائية، في بداية القرن العشرين، تمخض العالم وبرزت فيه عدّة أيديولوجيات متباينة الفكر والوسائل، الحروب والمكائد والمخلفات التي وصل اليه في منتصف هذا القرن، جعلت الانسان يظن أن زمننا الحالي هو أنضج ما يمكن أن يصل اليه الانسان، كذلك تظن كل حضارة مسيطرة على الزمكان.
بعد الحرب الباردة، خرج العالم بأسره منهكاً من كل شيء، من الجوع والعداوات وحالات عدم الاستقرار، مما أنتج جيلاً تلازمه فوبيا "المقاومة" والحروب، جيل يقبل كل التغيرات الجديدة التي تُبعده عن الواقع، وتضعه في حجر أو في منفى، يعيش مسالماً وسط خيالاته، والفخ الذي لا نَعلمُ كيف سنجاوزه : كيف سنُجاوز قنطرة هذا التكيّف الجديد. 

المقال 234.
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....