التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياةُ الفكرة



📌«التفكير من الذات».. دعوة للتفرّد أم  للسرقة الفكرية؟

يستعرض الكثير من المفكرين عضلاتهم الفكرية على عامة الناس، عندما ينطلقون في الحديث عن أمور فلسفية أو علمية، اجتماعية أو نفسية، دينية وما ورائية، يدّعون في كثير من الأحيان أنّ تلك التحليلات والنتائج من بنات أفكارهم، وكأنّها إلهامٌ من السّماء، وهنا، وجب تحديد ”قيمة“  وأبعاد هذه ”المحاولات“ الفكرية، ووضع بعض النقاط على الحروف، لأن عامّة طُلّاب العلم والفضوليون، لا يبحثون عن أصول الفِكر، بل يعتبرون صاحب المعلومة هو أب الفكرة، كنوعٍ من الأستاذية، مثل صغير البطّة الذي يعتبر أن أول ما يراه أمامه هو أمّهُ.
هُنا تكمن الخيانة العلمية الفكرية من صاحب الادعاء، لأن الإنسان يُكمّل الإنسان، والحضارة تُكمّل الحضارة، والابن يُكمّل الجدّ، فالقول بأن معالجة فكرة معيّنة جاءت من ”العدم“، أي من منطلق فردي، هو استخفاف بعقول الطُلّاب والفضوليين، واستهانة بعقول المثقفين والمطالعين، ومخاطرة أمام العلميين والمختصين.
يحدث أن يتلقّى الفرد أفكاراً وينسى مصادرها، أو نُقلت له من مصدر مغلوط، جُملاً واقتباسات وأفكار بهيكلة، فيتبنّاها، حدثت وتحدثُ للجميع، فما على الفرد إلّا أن يعلم أنه رهينة النسيان، أكثر من صاحب الاختراع، وأن يتواضع للتصويب والإعادة للمرجع.
يحدث أن تتقابل الأفكار والحِكم، وهذا بيت القصيد، فالإنسان في غالبه تكرار لما سبق، وما يأتي به من جديد يبقى نادراً وإن اتّخذ ألف مسلك لقوله ولتطبيقه.
كيف يكون الفرد مستقلاً بفكره، وفي نفس الوقت أميناً؟
على الإنسان أن يعيى للمعرفة، اقرأ، هذا هو عماد الوجود بعد العبادة أو معها، أما ما يكون بعد القراءة، فهو رهن ذكاء الفرد، وجيناته وطموحاته، على الإنسان أن يعلم ما سبقه فيه الإنسان، ولا "قدقدة" في أن عمره لن يكفي ليعلم كُلّ ما قيل وفُعل.
فيعمدُ الكثيرون على تبنّي ما ليس لهم، فلا يُقاوم أحدنا مقام ”الحكماء“ وما فيه من وقار وتبجيل وتعظيم، من صغار البطّة الأبرياء.
الأمانة، أن يُحيل المرء تلك الأشياءَ لأهلها، وأن لا يركب أيّ فرسٍ.. معتبراً أنه تائه أو لغير أحدٍ! فيُفضح بجريمة السفهاء.
ولا تحسب أن الأفكار تائهة لا رقيب لها، كذلك يفعل كل هرّ مُندفع.
لماذا نقرأ؟
نقرأ لكي نتعلّم، لكي لا نخاف المجهول، لكي نُسهّل الحياة على أنفسنا، لكي نأخذ القرارات السليمة في كل خطوة، لكن من الذي يُذكّرنا بأننا نقرأ كي لا ننسبَ ما ليس لنا من فكر وخواطر واختراعات؟ وأن نتّهم كل من يُحيل لنفسه ما ليس له، حتى بعد الدليل والإثبات!، إن هذا المسكوت عليه هو أساس قوت كل مُحتال!
لمن نقرأ؟
نقرأ للذي لا ينسب شيئاً لنفسه إلّا بين القولين، وبين القوسين، على استحياء وتواضع، ذلك الذي يعلم المنبع والمصبّ، ولا يستحي من الإكثار من قال فلان وردّ علّان.
من المُحتال؟
المُحتال هو ذلك الذي لا يخضع للتذكرة، ويستكبر عند البرهان، كثير التبرير لذاته، نادر الإحالة لغيره، جاهل بالأعراف الأدبية، ينكر الانتماء لأيّة مدرسة فكرية، لكي لا يُقال أنه يأخذ منها، كثير الادعاء أنه يقرأ للجميع، فلا تعلمُ له قِبل من دُبر، ولا تكاد تميّز له منهج من فكر قائم، قلمه ينكسر راكعاً لكلّ موضة أدبية.
ما هي مسؤولية القارئ؟
على القارئ أن لا يكون ”صاحب الكتاب الواحد“، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والمصدر الواحد كاذب ولو صدق، لأن العلم لا يكون علماً إلا عند التصادم مع المصادر، فالعلم والفكر الذي لم يدخل في ”حرب طاحنة“ لا ثقة فيه، تسيّد فكرة عن فكرة، وعلم عن علم، لا يكون إلا بالمواجهات، فالقارئ هنا عليه أن يعلم ما يقرأ، ولمن يقرأ، ومصادر ما يقرأ، وأن يمتحن ما يعلمه باستمرار ودون هوادة.

المقال 166
Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....