التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعويض الصحي والمرضي



هناك إشارات عديدة تجعلنا نظن بأن الانسان يُخضع نفسه لما يُسمى "التعويض" لمحاولة إرضاء نفسه، وإعادة هيكلتها، لجعل صورته أحسن في كل مرة، والتعويض بالمفهوم العام هو استعمال شيء عِوض شيء آخر، والتعويض بشكل عام يعود للشعور بعهد الرضى بالخيار الأول، إذا هو ناجمٌ عن ردّة فِعل سلبية عن القرار الأوّل.
التعويض يطال كل ما يُمكن للإنسان ان يُغيّره، والأمثلة تَكاد لا تنتهي، بحيث يمكننا ترتيبها الى جانبين مُتداخلين، نستخرج منهم الأمثلة اللازمة:
الجانب المعنوي، والجانب المادي.
في الجانب المادي، يخضع الانسان لهذا المفهوم بشكل شبه يومي، وكمثال، يحدثُ أن يُغيّر المرء رأيه لأكثر من مرّة في القميص الذي يريد الخروج به صباحاً، لاعتبارات معنوية، كأن يُلاقي شخصاً معيّناً، أو للذهاب لدعوة ما، أو حسب الأحوال الجوية، لتفادي أي نوع من السُّخرية أو الحكم المُسبّق عنه، كذلك يَحدُث أن يشتري قارورة ماء عِوض شرب القهوة في آخر لحظة، أن يأخذ معه هدية ما، أو لا يأخذ معه شيئاً.
  يُغيّر المرء رأيه في اختياراته بشكل تلقائي، في كلّ مرّة لا يجد فيها راحته، فالاختيار لا يكون موضوعيّاً البتّة.
الاختيارات البسيطة التي تُعوّض، تبقى غير محسوسة، لا من الشخص نفسه، ولا من محيطه، الى غاية الآن المفهوم بسيط ولم نبدأ في تفكيك الأمر.
 معنوياً، يُعوّض الكثير منّا أفكارهم بأفكار أخرى، سواءً لتطوّر التجربة الحياتية، مثل الخضوع لمغامرات جديدة، أو لتطوّر التجربة العلمية (لأن المعلومات الجديدة عبارة عن تجارب فكرية في العقل)، وكمثال بسيط، لو عدنا لنصوصِ كتبناها منذ أسبوع أو أسبوعين، سنجد فيها عيوباً كثيرة، لأن التجربة الفكرية المستمرّة، (لمن يَعيش بشكل عادي ومتوازن) جعلتنا نتجاوز الفكرة الأولى، ودفعتنا مباشرة لأن نُعوّضها بالفكرة الثانية، التي نراها أقرب للحكمة وللحقيقة (العلمية والمعنوية)، قد تكون كذلك أو قد لا تكون، لأن الحُكم على الأشياء بالصّلاح يبقى دائما أمراً تأويلياً، أما المُغامرة الحياتية، فهي تُشبه الملاقاة الأولى بين الصبيّ والنّار، ذلك اللّقاء الأوّل الضروري يُصعّد من وعي الصبيّ لدرجات كبيرة، بحيثُ يُفهمه بأن هناك خطر ما في المحيط الذي يعيش فيه، فينضُج عنده الخوف السّليم.
فتتوالى التجارب مع الكهرباء، الماء السّاخن، الشّوكة.. فيصبحُ في كلّ مرّة أقلّ اندفاعاً، وأكثر تفكيراً في الخطوة التالية، بحيث يتماشى هذا الوعي المعنوي والفكري مع الادراك المادي للأشياء، وكذلك يتماشى مع نموّه الجسدي، لمقاومة وتحمّل تحدّيات أكبر، وتعويض الأفكار البسيطة بأُخرى أكثر تركيباً.
ماذا عن التَعويض العشوائي؟
ان الانسانَ الأخير، او ما يُسمى بابن ما بعَد الحداثة، لم يَعُد يدرك الأشياء بمفهومها الطبيعي والفكري والغرائزي السّهل الذي كان عليه الانسان الأوّل أو المتوسّط، فقد بدأ يبتعدُ شيئاً فشيئاً عن الأشياء التي تُساعده على النُموّ بشكل طبيعي من الرضاعة الى الصّبى، ومنهما الى سن البلوغ ثم الكهولة فالشيخوخة.
وأصبحنا نُلاحظ أن العديد من الناس يُعانون بما يُسمى "المُراهقة المُطوّلة"، وفي أسوأ الأحوال بـ "مُتلازمة الصبيانية" خاصة عندَ النساء.
والمَقصود بالمراهقة المطوّلة أو الممدودة، هو بقاء المرء عالقاً في الاضطراب والتردّد مع كل افتراضية قرار، فتكون ردّة فعل "المُراهق البالغ" بأن يُخلط الحابل بالنابل، وان يُعوّض القرار الأوّل بقرار أقلّ فعاليّة، وفي كل مرّة ينزل بجدودة تعويضه الى الحضيض، ويَدخلُ في القرص المغلق في توالي القرارات السيّئة الى غاية الدخول في أزمة نفسية.
أما مُتلازمة الصبيانية، ان تُعوّض المرأة (والرجل في بعض الأحيان)، القرارات الأولى بقرارات طُفولية، أي، الانتقال من القرار العاقل القريب من العلم والمنطق، الى قرار يقترب أكثر فأكثر الى العاطفة والشعور، فنجد أن المرأة وبعد الصّدمات الحياتية (العلاقات)، تنزل الى تعويض الانسان بالحيوان، وفي أسوأ الأحوال الى الدُّمى والألعاب، والملابس الوردية الفاتحة، والمستلزمات التي كانت تستعملها في زمن بعيد.
إن المصابين بهذا الدّاء، ينتهجون الاقصاء، اقصاء الأصدقاء والمحيط والعلاقات، أن أفضل طريق لتعويض الخسائر، هو العودة الى الخلف، وتفادي خوض التجارب الجديد، وتفادي المغامرة، لتعويض الألم، يرون أن الحلّ هو العودة للبراءة الطفولية، دون وعي ان تلك الفترة قد انقضت بلا عودة، لأن المحيط والحياة، وحتى الجسم والعقل، لن يبرّروا لك تراجعك وانحطاطك الفكري، المادي والمعنوي.
التعويض السليم، هو الهروب نحو الأمام.
التعويض المَرضي، هو الهروب نحو الخلف.
__
المقال 152.
إذا أكملت المقال، وأُعجبت بالطّرح، انشرهُ مع محيطك.
Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف 
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....