التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحول الذكاء إلى غباء


عندما يُصبح الذكاءُ غباءً!

كثيراً ما نُخلطُ بين الحكمة والثقافة والقدرة على الفهم والتركيز والقدرة على الحفظ والإدراك وغيرها من الأمور التي نجمعها غالباً في "الذكاء". من الصّعب ان نُعرّف الذكاء بالمُطلق، فكلّ العلوم تُعرّفه بنظرتها، علم الأعصاب مثلا يُعرّف الذكاء بأنهُ القدرة على الحركة العصبية السريعة في الدماغ، ما يُنتج استيعابا سريعا للأمور، في البيولوجيا، الذكاء هو القدرة على التعايش في أحلك الظروف الطبيعية، في السياسة، الذكاء هو القدرة على الاستشراف والتوقع، القدرة على تحليل الاحداث الماضية، واسقاطها على الحاصر ومن ثم الانطلاق وتوقع الأمور المقبلة، وذلك يعتمد على أدوات أخرى زيادة على الذكاء، مثل المطالعة. 
في الفلسفة، الذكاء يكمن في المهارة في طرح الأسئلة واعطاء الأجوبة، القُدرة على الإقناع. أما في علم النفس، فالذكاء متفرّعٌ كثيراً، ذلك أن علم النفس يفكك الذكاء بين المكتسبات والأمور التي نتعلمها، بين المهارات وبين الخداع، بين الذكاء الرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء العلمي، والذكاء العاطفي، والذكاء التربوي عوالم وتباعد، ذلكَ أنّ الذكي علميا ليسَ بالضرورة ذكي اجتماعيا، فقد يكونُ مصاباً بالتوحّد، أو برهب الجمهور. وحتى دون أمراض، لا يمكن للفرض أن يكون متمكناً في كل شيء، أي، لا يمكن أن يكون الذكاءُ شاملاً في شخص واحد، على كل خاصيات الحياة، بينما يمكن للفرض أن يستخدم أساليب الحجب أو التخفي، أي إخفاء عيوبه بقدر ما أمكنه. 
معرفة الأشياء، الثقافة العامة، لا تجعل من الشخص ذكيا، لنَقُل أن معرفة الأشياء، لا تُغيّر فعليا من الذكاء الطبيعي في الفرض، بل تُغيّر في "قدراته الاجتماعية"، الوعي بأننا لسنا بالقدر الكافي من الذكاء، في علم الاجتماع، هو ذكاءٌ في ذاته، ذلك انه يجعلنا لا نقع في المآزق والاحراجات. أي، الإدراك، إدراك الذات والأشياء، والوعي بالذات، والمحيط، أعلى من الذكاء في علم الاجتماع. 
هل يتطلّب الوعي ذكاءً؟ نعم، لكنّه لا يتطّلّب ذكاءً حادّاً، ذلك أن الذكاء الحاد، ينتقل من الملاحظة إلى الإنتاج، فالذي "أراد" ولم يستطع أن ينتقل من النظر إلى الإنتاج، يعتبر متوسّط الذكاء. ذلكَ أن الإنتاج يحتاجُ ذكاءً في عوالم أخرى، التسويق ودراسة المستهلك.
إذا، حفظ الكتب، وجدول الضرب، وأسماء البوكيمونات، وجدول ماندلييف، تُعتبر مهارة وليست ذكاءً، قد يكون للحافظ مهارة الحفظ إضافة إلى الذكاء، أي، القدرة على ترجمة ما حفظة بأسلوب جيّد. 
الشهادات الدراسية أيضاً ليست امتحانا للذكاء، بل هي امتحان لمهارة الحفظ، خاصة في البلدان التي ما تزال تعتمد على الحفظ الأعمى وليس على الامتحانات التجريبية مثل الدول الإسكندنافية وكوريا وسنغافورة، فليست كل الدراسات متشابهة في العالن، وهذا ما يخلق التفاوتات والجودة في الشهادات. 
الذكاء ليس بذاكرة، فلا يمكن اعتبار الآلة التي تحفظ المعلومات مثل - فلاش usb - شيئا ذكيا. 
إذا أردنا ان نغامر ونعرّف الذكاء بشكل مُبسّط، فيمكننا القول إلماما أنها القُدرة على تحليل الأشياء واستيعاب التعقيدات واستشراف القادم في وقت سريع، بحيث يمكن اسقاط العمليات الثلاث في أي مهنة. 
الذكاء أيضا هو القدرة على التوقع، توقع لكمات الخصم، توقع حدوث كارثة جراء تصميم سيء، توقع نزول البورصة، توقع سقوط الرضيع، توقع نجاح أحد المجتهدين، توقع تفكك أسرة، أو اتحاد زوجين، وغيرها من الأمور اليومية التي تحتاج لمّاحاً. 
الذكي هو همزة وصل بين السذاجة والعبقرية، لماذا؟ لأن العبقري قد يصبح ساذجا، والساذج قد يقوم بفعل عبقري دون قصد، لكن الذكي يعي ما يقوم به، دون قدرات العبقري، وفوق سذاجة الأحمق. 
المقارنة والتمييز بين ذكاءٍ وآخر هو ضربٌ من السذاجة، ذلك أننا لا نختار رزقنا ( ما رُزقنا الذكاء فيه )، وكذلك، لو كانَ هناك ذكاءٌ أحسن من الآخر، لفقدت الحياة توازنها كليا. لذلك أسخر أشد السخرية من هؤلاء الذين يعتمدون على جدول درجات الذكاء ليحتقروا الافريقيين، غير أن لو وضعنا الشمالي في ظروف الجنوبي، لما استطاع العيش، فكذلك يحدث للجميع، لكلّ مجتمع ذكاء يتناغم مع أرضه وجوّه وحاجياته، ومن لا يملك ذكاءً لا يحتاجه لأسباب بيولوجية وتاريخية واقتصادية وثقافية، فهذا لا يعني أنه أحمق. 
  تستطيع أن تحمل درجة 180 في سلّم الذكاء، وتقف عاجزا على فعل أي شيء أما عطل في الثلاجة، في تيه الغابة، في علاقة حب. 
طيّب، متى يصبح الذكاءُ غباءً؟ باختصار، عندما تُصبح عملية الذكاء نهاية وهدف في ذاتها، وليس وسيلة لحلّ القضايا المعقدة وتسهيل الحياة. هناك من يحطمون أدمغتهم في محاولة تعقيد حياتهم، ظنا أنه ضربٌ من الذكاء، غير أن دور الذكاء هو عكس ذلك، لا يتماشى الذكاء وتعقيد الأمور، إطلاقاً.
الذكاء في تيسير كل شيء، في تسهيل الحياة، لاحظوا، كل الاختراعات ساهمت في تسهيل حياة الإنسان، حتى لو تعقدت الأمور من جوانب أخرى، فذلك نتاجاً وليس هدفاً، فكما يقول ابن خلدون الرخاء والترف ينتج الفساد حتما. 
التفكير غير الهادف، الحديث والثرثرة، محاولة التشويش على الذات، كلها بعيدة عن الذكاء، بل هي جلدٌ للذات، وبها، نصاب بأمراض عصبية وبعزلة اجتماعية، وفي بعض الأحيان، نزيح إلى التطرّف والعدوانية.
تذكّروا هذا، لا تجعلوا من الذكاء حجة للتُعس، فالذكاء وسيلة لصد الجهل و تيسير الأمور المعقدة، وليس لصناعتها.

المقال286
#عمادالدين_زناف 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....