التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدرسة الخضوع ضد مدرسة التمرّد.


هل التأليف يخضع لقوانين زمنية و بريستيج؟ و هل مُدّة التأليف و التباعد أو التقارب في الاصدارات يؤثر على جودة الكتاب؟ لماذا نجح الاخوة رايت في تحليق أول طائرة و لم ينجح في ذلك صديق الصحف و الرئاسة؟
المقال الـ83  للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف 

https://imedzenaf.blogspot.com/2020/12/blog-post_27.html?m=1

في الحقيقة ينقسم عالم التأليف و الكتابة الى مذهبين، المذهب الأوّل هو الخضوع التام لُعُرف الكتابة و التأليف، وهو مذهب متشدد لكل طقوس التأليف، فتجد أصحابه لا يصدرون كتاباً الى بعد سنة من الكتابة أو سنتين، ثم انهم لا يخرجون عن قانون الجنس الأدبي بشبر واحد، ثم يفرضون على أنفسهم التباعد بين اصدار و اصدار بسنة كأقل تقدير، و هذا النوع أسمّيه صديق الرئيس و الصُّحف أو الخبّاش.
و هناك المذهب الثاني المُتحرّر عن كل عُرف أدبي أو طقوس في التأليف، تاريخياً، كان المتحرّرون هم المؤسسين لكل ما نراه اليوم "بديهيا"، أو "عُرفاً" أي ما أصبح متعارفاً عليه في كل مجال، حيث تمرّد هؤلاء الأشخاص عن كلّ جنس أدبي وقاعدة فكرية، وبذلك التمرّد صنعوا مدارس جديدة داخل المدارس، هذا النوع ليس صديقاً لأحد، و في الغالب يجلسون آخر القسم، لكنّ العبقرية تأتي منهم في كل مرّة.
في فرنسا هناك نوع أدبي خاص جدا معروف اسمه "المحاولة l'essai"، و هو ما يُميّز %90 من تعريفات الكُتّاب و الفلاسفة و حتى العلميين، تجد أنّهُ يُلقّب بالمُحاول essayiste
قبل أن يُسمى بتخصصه الأدبي : فيلسوف، مُفكّر، روائي، شاعر..
و القاعدة هنا في تكرار المحاولة الأدبية، الى غاية الاصدار العبقري، لأنهم يؤمنون أن الكتابة مُمارسة و ليست بريستيج أو طقوساً تُحترم أبعادها، و أن الكتاب العظيم لا يخضع لأي مدة في التأليف، ليست حجة في ذاتها أن تقول أنك كتبت محاولتك في خمس سنوات أو اسبوع ، ولا على أنهُ أول اعمالك او الثامن و الخمسون، الأهم أن الكاتب وصل لنقطة العبقرية الفكرية التي يحتاجها العالم.
ما علاقة الاخوان "رايت" مع هذا المجال؟
هو مُجرّد استعارة لقصّة، سضع أوائل القسم في حرج شديد.
أورفيل وويلبر رايت هما مخترعان أمريكيان ينسب إليهما معظم المؤرخون اختراع أول طائرة والقيام بأول تجربة طيران ناجحة عن طريق آلة أثقل من الهواء في 17 ديسمبر 1903، لكن ما لا يعلمه الناس انه لم يكن في المُخطط الأمريكي أن يكونا هم من يفعلون ذلك.
بل كان شخصاً آخر لا يحضرني اسمه، كان مكلّفاً من الرئيس نفسه لاقلاع أول طائرة، جدير بالذكر أن هذا الرجل كان نجم الصّحف، يقضي أوقاته في لعب الغولف مع كبار القادة السياسيين، و كان من كوادر التقنيين في الميكانيك.
الا أن المعجزة جائت من "حقل الماييس" في الجهة الأخرى مع اخوان لم يكن لهما نفس المستوى العلمي و لا الاعلامي.
ما الفرق؟، الفرق أن الأوّل لم يرد أن تتسّخ بذلته، اعتمد على دراسته و "بريستيج التجربة الواحدة" فلم يفلح رغم الدعم المادي و المعنوي، اما الآخرون، فكانا يسقطان في اليوم اربعين مرّة.
ان الطقوس و عقلية "اوّل القسم" لم تصنع الا بعضاً من الأشخاص الجيدين، لأن أوائل القسم يعيشون ضغط الأضواء في مخيلتهم، ويحسرون أنفسهم في قواعد أباءهم، اما المتمرّدون هناك، فلهم خاصية حب ما يفعلون، و لا يبحثون عن شيء سوى "الاستمتاع" و"الوصول و لو بعد ألف محاولة".
الخلاصة:
اذا كان للابداع تعريف واحد، فوسف يكون: لاتتبع القواعد، كُن القاعدة الجديدة.

#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....