النمط النوميدي: من "البـازينـة" إلى التأثير الروماني § البيزنطي، منه نحو العمارة الصنهاجيّة والزناتيّة.

 


العمران النويدي:
من "البـازينـة" إلى التأثير الروماني § البيزنطي،
منه نحو العمارة الصنهاجيّة والزناتيّة.

مقال ومبحث عماد الدينزناف

تُشكّل العمارة النوميدية إحدى أكثر الظواهر الحضارية في شمال أفريقيا تعقيدًا وإشكالًا من حيث الفهم والتأريخ، وذلك بسبب كونها عمارة صامتة لم تترك نصوصًا تشرح ذاتها، واعتمدت بدل ذلك على الحجر، والهندسة، والعلاقة الدقيقة بالمكان والجغرافيا. ولهذا فإن إعادة بناء تاريخ العمارة النوميدية لا يمكن أن تتم إلا عبر الجمع بين المعطيات الأثرية، وشهادات المؤرخين الإغريق والرومان، ثم لاحقًا الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، مع قراءة نقدية تتجاوز النظرة الاستعمارية التي اختزلت شمال أفريقيا في كونه فضاءً رومانيًا تابعًا لها.
تشير الاكتشافات الأثرية المنتشرة في الهضاب العليا والأوراس والسهوب الوسطى إلى أن الأمازيغ النوميد قدطوّروا منذ أواخر العصر البرونزي وبدايات العصر الحديدي، أي ما بين القرن الثاني عشر والقرن السابع قبل الميلاد، نمطًا معماريًا جنائزيًا خاصًا يُعرف بالبَزِينَة Bazina. والبزينة التي تعني التل بالأمازيغية، ليست تلة ترابية بدائية كما افترض بعض الباحثين الأوائل، بل بناء حجري هندسي قائم على الجدران الجافة، يتضمن قاعدة دائرية أو متعددة الأضلاع، وغرفة دفن مركزية، وارتفاعًا مدروسًا يمنح البناء حضورًا بصريًا وهيبة رمزية. وقد درس هذا النمط باحثون مثل غابرييل كامب، الذي أكد أن البزينة ظاهرة معمارية أمازيغية خالصة لا علاقة لها بالبناء المصري أو المشرقي.
ويُعد ضريح إيمدغاسن، المعروف بالمدراسن، والمُؤرَّخ تقريبًا إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وربما هو أقدم من ذلك، ذروة هذا التقليد المعماري في شكله الملكي الذيلا يوجد له مثيل في العالم أجمع. يقع هذا الضريح في منطقة باتنة، وينسب إلى ملوك الماسيليين الأوائل الذين سبقوا ماسينيسا بقرون. يبلغ قطره نحو ستين مترًا، وكان ارتفاعه الأصلي يقارب ثمانية عشر مترًا، ويتكوّن من قاعدة دائرية ضخمة تحيط بها أعمدة نصفية ذات طابع دوري، لكنها تؤدي وظيفة رمزية لا إنشائية. وقد شُيّد بالكامل بالحجر المقطوع بدقة دون استخدام الملاط، ما يدل على تطور تقني متقدم. لا يتعامل هذا الضريح مع فكرة التأليه أو الصعود السماوي كما في العمارة المصرية، بل مع مفهوم الاستمرارية والسلالة والسيطرة على الأرض، وهو ما يتوافق مع طبيعة السلطة النوميدية كما وصفها المؤرخون القدماء. يؤكد بوليبيوس وليفيوس وساللوست، خاصة في كتابه «حرب يوغرطة»، أن نوميديا في عهد ماسينيسا (202–148 ق.م) لم تكن مجرد اتحاد قبلي بدائي، بل دولة منظمة ذات مراكز حضرية محصنة، وزراعة مستقرة، وبنية عمرانية دائمة. ورغم أن قصور ماسينيسا لم تصلنا، فإن مدينة سيرتا (قسنطينة) وغيرها من الحواضر النوميدية تشير إلى وجود تقاليد بناء بالحجر، وتحصينات، وتنظيم فضائي يعكس سلطة مركزية مرنة لكنها راسخة.
ومع انتقال الحكم في البلاد من نوميديا إلى العصر القَيصريّ، واعتلاء يوبا الثاني العرش (25 ق.م–23 م)، يظهر ضريح ملوك موريتانيا قرب تيبازة، والذي شُيّد حوالي سنة 3 ق.م. هذا الضريح يُعد مثالًا واضحًا على قدرة العمارة الأمازيغية على استيعاب التأثيرات الهيلينستية والرومانية دون فقدان بنيتها الأصلية، فهو متطابق أشد التطابق مع ضريح امدغاسن الذي يكبره بقرون، ورغم التأثير الهيلنستي، إلا أن ضريح قبر الرومية لا يوجد له نسخة ثانية في أي مكان في العالم الورماني القديم هوالآخر. فرغم استخدام الأعمدة الإيونية وبعض النسب الكلاسيكية، فإن المخطط العام يظل امتدادًا مباشرًا للبزينة النوميدية الدائرية. وقد وصف بليني الأكبر يوبا الثاني بأنه ملك عالم ومثقف، ما يفسر هذا التزاوج الواعي بين اللغة المعمارية المتوسطية والبنية الأمازيغية العميقة.
أما في شمال نوميديا، خلال الفترات التي سادت فيها أنظمة اتحادية لا مركزية، والتي يُشار إليها أحيانًا بتحالفات قبلية متعددة (تحالف الحلف الخماسي، الكويكونجينتيانيّ) في عهد الملك الأمازيغي نوفل وأبنائه السبعة، فإن العمارة تعكس هذا الواقع السياسي. فلا نجد قصورًا ضخمة، بل مستوطنات محصنة فوق التلال، مثل أثار تاكقصبت وبترا وبقايا ضريح نوميديفي أقبو، وكذا جدرانًا حجرية منخفضة، ومخازن جماعية للحبوب. فقد كانت عمارة دفاعية جماعية، تُعلي من قيمة الاستمرار والبقاء أكثر من الاستعراض.
وفي الأوراس، تمثل عمارة غوفي مثالًا نادرًا على الاستمرارية الطويلة. فالمساكن المحفورة في الصخر، والمدمجة في المنحدرات، ذات الفتحات الضيقة والفراغات المتدرجة، تعكس منطقًا عمرانيًا سابقًا للرومان واستمر بعدهم. وقد أشار ابن خلدون إلى أن الأوراس ظل معقلًا للقبائل البربرية العصيّة على الخضوع، وهو ما يفسر بقاء هذا النمط المعماري دون انقطاع. أما في الغرب النوميدي، خاصة في منطقة تلمسان وموقع ألطافا (أولاد ميمون)، التي كانت ضمن مجال الماسايسيليين في عهد الملك صيفاقس (توفي 203 ق.م)،والتي حكمها ملوك أمازيغ مثل ماستياسن وغارمول في الفترة البيزنطية، تظهر عمارة حجرية أكثر انتظامًا، ومساكن شبه حضرية ذات أفنية داخلية بدائية، وتحصينات محلية. هذه المنطقة تمثل فضاءً انتقاليًا بين العمارة النوميدية الخالصة والتأثيرات البيزنطية، ، لكنها ظلت محافظة على جوهرها الحجري والهندسي المندمج مع طبيعة المكان.
وتُعد أهرامات الأجدار في منطقة تيارت من أكثر الشواهد غموضًا وإهمالًا، ويُرجَّح تأريخها ما بين القرن الخامس والأول قبل الميلاد. تتميز هذه البنايات بقواعد مربعة أو مستطيلة، وارتفاع مدرج، وتجريد هندسي واضح. وهي لا تشبه الأهرامات المصرية من حيث الوظيفة أو الرمزية، بل تمثل صيغة جنائزية أمازيغية خاصة بالفضاء السهبي المفتوح، حيث تُصبح العمارة علامة أرضية للسيطرة والذاكرة الجماعية.
_
عِندَ دخول الرومان إلى شمال أفريقيا ابتداءً من القرن الأول الميلادي، فُرض نمط عمراني جديد في المدن الاستعمارية، قائم على الشبكة المتعامدة، والمنتديات، والحمامات، والأقواس. غير أن هذا النمط لم يقضِ على العمارة المحلية، بل استقر فوقها. فخارج المدن الرومانية الكبرى، استمرت القرى الجبلية والريفية في استخدام تقنيات البناء النوميدية نفسها، وهو ما تؤكده كتابات أبوليوس المادوري في القرن الثاني الميلادي.
ومع قيام الدول الأمازيغية الإسلامية، خاصة الزيرية والحمادية بين القرنين العاشر والثاني عشر، تعود المبادئ النوميدية إلى الواجهة بوضوح تام. فقد أسس زيري بن مناد مدينة أشير كقلعة جبلية محصنة، ثم بُنيت قلعة بني حماد سنة 1007م كمركز سياسي وعسكري. ورغم الزخارف والفنون البيزنطية البادية جليًّا، فإن منطق التحصين، والكتلة الحجرية الصامتة، والانغلاق المدروس،والبساطة والتقشّف واعتماد الأشكال المربعةوالمستطيلة، يعيدنا مباشرة إلى تقاليد هؤلاء القبائل الجبليّة.
أما في الجنوب، تُجسّد غرداية وعمارة مزاب الصحراوية الامتداد الأخير لهذا الذكاء المعماري الأمازيغي. فالمدينة تُبنى بشكل دائري، يتوسطها المسجد-القلعة، وتحيط به المساكن المتراصة، في تنظيم يعكس قيم الجماعة والانضباط والتكيّف المناخي. وقد وصف البكري والإدريسي هذه المدن الصحراوية بأنها شديدة التنظيم، ما ينقض الصورة النمطية عن البداوة والتخلف.
وهكذا فإن العمارة النوميدية لم تنقضي قطّ في هذه الأرض، بل كانت بنية حضارية عميقة استمرت أكثر من ألفي عام وتفاعلت مع كل التأثيرات المحيطة بها، فقد كانت قادرة على الامتصاص دون الذوبان، وعلى التحول دون الانقطاع. ومن خصائص العمران النوميدي الذي توارثه أهل هذه الأرض، أنه عمارة لا تقوم على الزخرفة، بل على الهندسة، ولا على الفرض، بل على التكيّف، ولا على الهيمنة على الطبيعة، بل على العيش داخلها، والأكثر منه على الصلابة والثقل. وإذا كان الرومان قد تركوا مدنًا، فإن النوميديين تركوا منطقًا عمرانيًا قاومَ مثل شعوب نوميديا.

#عمادالدين_زناف #استرجع_تراثك #الجزائر #نوميديا #المغرب_الأوسط

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مذكرة الموت Death Note