النمط الزيري: بين القرصنة "الموريسكية" والاختلاف عن البيزنطية.
يُظهر التباين بين العمارة البيزنطية والعمارة الزيرية، كما توحي به الصورة، اختلافًا عميقًا لا يقتصر على الشكل الخارجي، بل يعكس رؤيتين حضاريتين متباينتين في فهم الفضاء والمادة والمناخ والسلطة. فكل لغة معمارية هي في جوهرها تجسيد مكثّف لرؤية حضارية كاملة. إحداهما وُلدت من استمرارية إمبراطورية ومن رمزية لاهوتية واضحة، والأخرى نبتت من أرض شمال إفريقيا وضوئها وذاكرتها الأمازيغية العميقة. تنبثق العمارة البيزنطية بوصفها الامتداد المباشر للعمارة الرومانية الإمبراطورية، وقد أُعيد تشكيلها في إطار كوني مسيحي. فمبانيها صُمّمت لتُرى من بعيد، ولتعلو فوق المدينة والمشهد الطبيعي، مؤكِّدةً حضور السلطة السياسية والروحية معًا. والانطباع البصري الأول الذي تتركه هو السموّ العمودي: قبب منتفخة تهيمن على الأفق، وأبراج تخترق السماء، وكتل حجرية ضخمة تتراكب في نظام هرمي صارم. الأشكال واضحة الحدود، منضبطة هندسيًا، وغالبًا ما تقوم على التماثل، مما يوحي بنظام مركزي عقلاني يُفرض على الفضاء فرضًا.
للألوان دور أساسي في العمارة البيزنطية. فمن الخارج، تظهر المباني في كثير من الأحيان مكوّنة من تعاقب مدروس للمواد: حجر كلسي فاتح، وآجرّ مائل إلى الحمرة، وأحجار داكنة تشكّل أشرطة أفقية إيقاعية. هذا التباين اللوني ليس تزيينيًا فحسب، بل يعزّز البنية الإنشائية ويبرز الصرامة الهندسية. أمّا في الداخل، فتبلغ العمارة البيزنطية ذروتها التعبيرية عبر الفسيفساء الذهبية، والأزرق العميق، والأحمر القاني، والبنفسجي، حيث تتحول الجدران والقباب إلى فضاء ضوئي مشبع بالرمزية اللاهوتية. فالضوء هنا يُحتوى ويُضاعف ويُحوَّل إلى معنى. وحتى الحصون البيزنطية، رغم بساطتها النسبية، تحافظ على منطق الهيمنة عبر العلوّ، والأبراج، والوضوح الدفاعي الصارم، فهي آلات حجرية صُمّمت لحروب الحصار وللسيطرة الإمبراطورية، قائمة بذاتها، منفصلة عن محيطها الطبيعي. وقد ترك هذا المنطق المعماري أثرًا عميقًا في العمارة الإسلامية المبكرة في المشرق. فالأمويون والعباسيون ورثوا مدنًا بيزنطية قائمة، ومعها ورثوا البنّائين والمهندسين وتقنيات البناء. لذلك تبنّوا القباب، والأقواس المحمولة على الأعمدة، والتخطيط المحوري، والواجهات الضخمة. فجاءت عمارتهم استمرارًا للأشكال البيزنطية ضمن رمزية إسلامية جديدة، لا قطيعة جذرية معها. وكانت الحاجة إلى الشرعية الإمبراطورية سببًا في استدامة هذه اللغة البصرية.
على النقيض من ذلك، تتجذّر العمارة الزيرية في تربة حضارية مختلفة تمامًا. فهي ليست عمارة إمبراطورية الطموح، ولا تسعى إلى الاستعراض أو التعالي، بل هي عمارة ترابية حدنوية قريبة إلى البساطة، مناخية، شمال إفريقية بامتياز. وأول ما يلفت النظر فيها هو الشكل: كتل مدمجة، مكعّبة، ومتدرجة، تقلّ فيها العمودية لصالح الأفقية. المباني تبدو ملتصقة بالأرض، ثقيلة ومستقرة، كأنها نبتت من التربة بدل أن تُفرض عليها. الأسطح مسطّحة أو مدرّجة، وتراكم الكتل يتبع طبيعة التضاريس أكثر مما يتبع نظامًا هندسيًا صارمًا. أما اللون في العمارة الزيرية فهو امتداد مباشر للبيئة. الأبيض، والعاجي، والبيج، والأصفر الترابي هي الألوان الغالبة. وهذه ليست ألوانًا رمزية، بل حلولًا مناخية تعكس أشعة الشمس وتخفف من حدّة الحرارة. الجدران المطلية بالجير تمنح مدنًا مثل الجزائر وغرناطة ذلك التوهّج الساطع تحت شمس المتوسط. وعلى عكس العمارة البيزنطية القائمة على التباين، تسعى العمارة الزيرية إلى وحدة لونية متجانسة، حيث تمتزج الجدران والأزقة والمساكن في نسيج بصري واحد، لا يقطعه سوى الأبواب الخشبية الداكنة، أو النوافذ الخضراء، أو ظلال الفتحات الضيقة. أما الأشكال في العمارة الزيرية بسيطة الشكل عمدًا. الزخرفة الخارجية شبه غائبة، والجدران سميكة، مثقوبة بفتحات صغيرة بدل نوافذ واسعة، مما يمنح الواجهات طابعًا شبه تجريدي، تُعرّف فيه الكتلة نفسها أكثر مما تُعرّف التفاصيل. الجمال هنا جمال الكتمان والتناسق المتسلس بين الدور والقصور والمساجد لا الاستعراض مثل المباني البيزنطية. فالمعنى يُصان في الداخل لا في الخارج، الفضاءات الداخلية، المنظمة حول الأفنية، تستقبل الضوء بطريقة غير مباشرة، مفلترة عبر الظل والأسطح العاكسة، لتخلق جوًا من السكينة والحماية.
ولا يمكن فهم هذا المنطق المعماري دون العودة إلى جذوره الأمازيغية والنوميدية العميقة، النوميد الذين عُرفوا بتميّزهم الهندسي المعروف بـ بازينا 'bazina'، والذي يتميز ببنايات شبه هرمية، صخرية ودائرية على شكل صحن، متقشّفة وصلبة مثل قساوة الطبيعة. فهذه البنى الجنائزية القديمة، الدائرية أو المدرّجة، المبنية من الحجر الخام، تجسّد عمارة الثقل والديمومة والاندماج في المشهد الطبيعي. فهي تفضّل الكتلة على الارتفاع، والصلابة على الزينة، والصمت على الخطاب البصري. وقد ورثت العمارة الزيرية هذه القواعد غير المعلنة، مما جعل مبانيها تبدو قديمة وزمنية حتى وهي جديدة. وتُعدّ قصبات الجزائر وغرناطة التعبير الأوضح عن هذا المنطق. وغالبًا ما يُساء فهمها حين تُقارن بالحصون البيزنطية. فهي لا تقوم كمنشآت عسكرية معزولة، ولا تعتمد الأبراج العالية أو الأسوار الضخمة الظاهرة، بل تتشكّل ككائن حضري كثيف ومتصل. الأزقة ضيقة ومتعرجة، والمساكن متداخلة، والمدينة تبدو كجسد واحد. الدفاع هنا ليس في الارتفاع ولا في الإظهار، بل في التعقيد والغموض والتماسك الاجتماعي. إنه ذكاء دفاعي ثقافي أكثر منه هندسيًا صرفًا. أما العمارة الحمّادية، التي تطوّرت من الأساس الزيري، فقد عرفت نضجًا أكبر في التعامل مع الحجر، ومساحات أكثر تركيبًا وطابعًا احتفاليًا دون التخلي عن المبادئ الجوهرية للعمارة الأمازيغية المحليّة. ففي قلعة بني حماد، تبقى الكتل أرضية وثقيلة، لكن الفضاءات تصبح أكثر تنظيمًا وقصورًا. تظهر فيها الأقواس والأقبية، المستوحاة من الفن البزنطي، بينما تظل القباب محدودة ومتحفّظة جدًا. وتبقى الألوان طبيعية، حجرية، بعيدة عن الترف اللوني. ومن السمات التي تفرّد بها الزيريون، والتي تكشف عمق شخصيتهم المعمارية واختلافها عن النموذج البيزنطي، عناصر دقيقة لكنها بالغة الدلالة، تتعلّق بالمواد، والزخرفة المحليّة، والرمز، ووظيفة التفاصيل الصغيرة في البناء، من أبرز هذه العناصر قصب الخشب المثبّت تحت النوافذ، وهو عنصر يكاد يكون خاصًا بالعمارة الزيرية المبكرة، ويظهر بوضوح في قصبات الجزائر ومليانة ودلس وسنطينة وعنابة وفي بقايا العمارة الزيرية والحمّادية في كل مجالهم الذي سيطروا عليه. فالقصب الخشبي لا يؤدي وظيفة جمالية بل هو حلّ متعدد الوظائف، إذ هو يكسر حدّة أشعة الشمس المباشرة، ويسمح بمرور الهواء دون كشف الداخل، ويمنح الواجهة إيقاعًا أفقيًا خفيفًا يوازن ثقل الجدران الحجرية. كما يعكس هذا العنصر ثقافة بيئية عريقة تقوم على الاقتصاد في المادة والتكيّف مع المناخ، وهو بعيد كل البعد عن منطق النوافذ الواسعة أو الأقواس المفتوحة في العمارة البيزنطية، التي تفترض مناخًا مختلفًا وسياقًا حضريًا آخر. ويُضاف إلى ذلك الزليج الحمّادي الزيري، الذي يمثّل مرحلة متقدّمة في تطور الذائقة الزخرفي والطابع الاستعراضي. فالزليج الحمّادي، بخلاف الفسيفساء البيزنطية المذهّبة، يعتمد على ألوان ترابية وعميقة: الأخضر، والأزرق الداكن، والبني، والأصفر الطبيعي، تُركّب في وحدات هندسية صارمة تُخضع اللون للنظام لا العكس. هذا الزليج لا يُستخدم لتغليف الفضاء كله، بل يُوضع في مواضع محددة ذات قيمة رمزية أو وظيفية، كالمحراب، أو قاعدة الجدران، أو مداخل القصور، مما يجعله امتدادًا للكتلة المعمارية لا غطاءً يخفيها، وهو في جوهره تعبير عن عقل هندسي تجريدي، يختلف جذريًا عن التصوير الرمزي واللاهوتي الذي يميز الزخرفة البيزنطية.
ومن أكثر العناصر رمزية ودلالة على الاستمرارية الحضارية النجمة الثمانية، التي تظهر في الزخرفة الزيرية والحمّادية قبل أن تُفرغ لاحقًا من سياقها التاريخي. هذه النجمة ليست عنصرًا دينيًا وافدًا، بل رمز هندسي قديم موروث عن التقاليد النوميدية-الرومانية في الجزائر. حضورها في العمارة الزيرية يؤكد أن الزيريين لم يقطعوا مع ماضيهم ما قبل الإسلامي، بل أعادوا تأويله داخل لغة هندسية جديدة. فالنجمة الثمانية أو الـ octagramme، لا تُقرأ بوصفها شعارًا عقائديًا، بل كصيغة توازن وتناظر، تعبّر عن انسجام الكتلة والفضاء، وعن عقل رياضي متجذّر في تقاليد محلية عميقة، حيث نجد هذه النجمة في مختلف الأثار في التراب الجزائري.
وتكمن أهمية هذه العناصر مجتمعة في أنها تُظهر كيف بنى الزيريون عمارتهم من تفاصيل صغيرة ذات ذكاء عالٍ، لا من رموز ضخمة أو أشكال مفروضة من الخارج. فالخشب، والزليج، والرمز الهندسي، كلها أدوات لخلق عمارة صامتة لكنها مشحونة بالمعنى، عمارة تحاور المناخ والذاكرة والتقاليد بدل أن تستعرض السلطة. وبهذا المعنى، فإن العمارة الزيرية والحمّادية لا تمثّل مجرد مرحلة انتقالية في تاريخ الفن الإسلامي، بل تشكّل لحظة نضج حضاري عبّرت فيها شمال إفريقيا عن نفسها بلغتها الخاصة، لغة لا بيزنطية ولا مقلّدة، بل متجذّرة في الأرض، والتاريخ، والإنسان. وعندما أضافت العمارة الزيرية فيما بعد عناصر زخرفية وأقواسًا وواجهات أكثر انتظامًا، فإنها فعلت ذلك فوقَ أساسها، لا على أساس بيزنطي خالص مثل العمران الشامي المتمثل في الجامع الأموي ومسجد قرطبة. فقد كان الزيريون همزة الوصل بين الهندسة المحلية وتلك البيزنطية ليتشكل لاحقا نمط سُميّ زورا وبهتانا النمط "الموريسكي". هذا النمط الذي تبنته دول فتيّة ثم نسبته إليها، إلى الموريسكي اسم جامع لا اسم تخصيص مثل الزيري.
عرفنا الآن ان الاختلاف بين العمارة البيزنطية والعمارة الزيرية لا تعبّر عن تباين أسلوبي فحسب، بل عن طريقتين متناقضتين في السكن والوجود. فالعمارة البيزنطية تسعى إلى إخضاع الفضاء عبر الهندسة والعلوّ واللون الرمزي والتمايز بين كل بيت وبيت وكنيسة وكنيسة، بينما تفاوض العمارة الزيرية الفضاء عبر الكتلة والضوء والتكيّف. الأولى تعلن الإمبراطورية، وتعلّي أيقوناتها النصرانية عاليا، والثانية تُجسّد الأرض والبساطة والشدّة.
.bmp)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق