تاريخ ابن خلدون وفقهاء الفيسبوك
مقال عماد الدين زناف.
ملاحظة: لن أضع المراجع في المقال، لأنه سيطول كثيرًا، لكن لمن يشكك في مقولة نسبتها لابن خلدون أو غيره في المقال، يترك تعليقا مشيرا إلى الإشكال، وسأعطيه المصدر في التعليقات.
لم يكن التاريخ في يومٍ من الأيام علمًا محايدًا يُكتفى فيه بسرد الوقائع كما تُسرد الحكايات قبل النوم. إنّه مجالٌ يقف عند تخوم العلم، يمازجه أحيانًا، ويشاكسه أحيانًا أخرى، إذ أن التاريخ أقدم من كل العلوم الصلبة. ولا يتوقف عن إعادة طرح السؤال ذاته: هل الماضي المكتوب هو كما هُوْ أم هو كذلك في عيون من يكتبونه؟ -هنا، تحديدًا، اكتسب ابن خلدون قيمته الفريدة، فقد أعاد للتاريخ دوره المعرفي وأضافَ له المنطق والفلسفة والاستقراء، أي أنه نزع عنه الجمود وجعلهُ مَرِنًا يُقاس بالعقل، بما يمكن عقلنته... لا باعتباره أرشيفًا، بل باعتباره مختبرًا تُختبر فيه قوانين الاجتماع كما تُختبر قوانين الفيزياء في المختبرات الحديثة اليوم. ولم يكن يرى في التاريخ رواية تُعاد، بل ظاهرة قابلة للفهم والتفسير والتكذيب والتفنيد، ولهذا كان ظهوره لحظة انعطاف لا في الفكر الإسلاميفحسب، بل في الوعي الإنساني كلّه... إذ يعدّ ابن خلدون فاتحَة عصر التنوير المستقبلي.. ثمانون سنة قبل سقوط غرناطة.
ولعلّ الذين يقرأون المقدّمة، مقدمة تاريخه، ينقسمون تلقائيًا إلى نمطين: قارئٍ فضوليٍّ يكتفي بابن خلدون ويحسب أنه بلغ الميناء، وباحثٍ حقيقي يعود إلى ما قبل ابن خلدون، إلى أولئك الذين نقدهم الرجل في مقدّمته، كابن الكلبي والمسعودي، بل إلى أولئك الذين اعتمد عليهم أيضًا! هنـا تظهر قيمة ابن حزم تحديدًا! ولا أتحدث عن ابن حزم " صاحب طوق الحمامة" بل عن ذلك العقل الأندلسي صاحب الجمهرة والمحلى والحلل.. الذي سبق زمانه حين وضع قاعدة حاسمة في جمهرة أنساب العرب: لا تُقبل رواية إلا بدليل، ولا يُثبت نسب إلا ببرهان، ومع ذلك، لا يمكن القطع في نسب أي جهة! (عُد إلى مقدمتة كتاب الجمهرة) . ولو كُتب للنسّابة أن يسيروا عليها لنجوا من كثير من الأساطير التي التصقت بالأقوام. وابن خلدون، وإن كان اعتمد ابن حزم، إلا أنه تجاوزه في منهج النقد، وأخذ عنه روح الشك قبل أن يأخذ نصوصه، فصار امتدادًا لمدرسة عقلانية لا تُسلم بشيء حتى تُناقشه.
ولم يكن حديث ابن خلدون عن البربر تكرارًا لأقاويلٍ سابقة بل كان أول محاولة منهجية لتفكيك أصولهم، وتمييز لغتهم عن العربية، بل وتعليم نطق حروفها ومخارجها كما لو كان لسانيًا معاصرًا. هو أول من أزاح الغطاء عن الادعاءات التي نُسجت عن أصولهم التي نسبت إلى اليمن أو الشام، لا لأنها خاطئة فحسب، بل لأنها غير معقولة تاريخيًا. ويبدو أن مقدّمته كُتبت بعد أن فرغ من معظم التاريخ، لأنها تأتي كثمرة ناضجة، لا كمسوّدة كاتبٍ حديث عهدٍ بالتأليف. في تلك الفصول يظهر بوضوح أنه درس قبائل البربر واحدةً واحدة، وقارن بين أخلاقهم، وطبائعهم، ورجالهم، وفصّل في اختلافاتهم الداخلية، وكشف الأسباب التي دفعت قبائل معينة، وخاصة من زناتة، إلى ادعاء النسب العربي، إمّا التماسًا لامتيازٍ سياسي، أو تملّصًا من الجباية، أو تقرّبًا لمن يملكون النفوذ، ولقد كشف أن النسب في بعض الفترات كان وثيقة سياسية لا علاقة لها بالحقيقة، وأن بعض الناس يبنون أصولهم بالطموح لا بالواقع، في سبيل السياسة.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أكمل ما بدأه ابن حزم حين أثبت استحالة أن يكون لحمير أو غيرها من قبائل اليمن طريق إلى بلاد البربر، مفصّلًا في جغرافيا الاستقرار البشري بعد الطوفان، الطوفان الذي لا يُمكن أن يطعن فيه مسلم، وأن أحفاد سام قد تمركزوا في المشرق، بينما امتد أحفاد حام في أفريقيا، بداية من كوش ومصرايم على طول نهر النير. وقد بدا ابن خلدون هنا كمن يكتب التاريخ بعيون جغرافية، يفهم حركة القبائل كما يفهم الجغرافيّ حركة الرياح بالضبط.. ومما يلفت النظر أنّه كرَّر اسم مازيغ في تاريخه مرات عديدة، باعتباره الجدّ الأكبر للبربر، بينما لم يزد ابن حزم على ذكره ضمن نسل كنعان بن حام. ابن خلدون لم يترك المسألة مفتوحة للتأويل: سام للمشرق، وحام للمغرب، قائلا أن الخلط بينهما لا يستند إلى أي منطق لغوي أو تاريخي، بل هو اختراعٌ تبريريّ نشأ لأغراض سياسية وتملّكيّة.
إنّه أول من أعاد تركيب السلالة البربرية الأمازيغية على أسس عقلانية لا خرافية، وأعاد لها استقلالها الذي غيّبته الأساطير... ضاربا في مقتل الأمازيغ الذين أرادوا التنصّل من أصولهم، والعرب الذين أرادوا سرقة إنجازات هؤلاء.
ولم تكن قوته العلمية مقتصرة على أنساب العرب والبربر، إذ قدّم واحدًا من أشجع المواقف الفكرية حين أنصف نسب العُبيديين الفاطميين، وأعادهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، مقابلا كل مؤرخي عصره الذين أرادوا العبث بذلك، مخالفًا بذلك تيارًا مذهبيًا كان يرى في نسبهم خطرًا سياسيًا ودينيًا. لم يبالِ بما يمكن أن يُتّهم به، لأن الحقيقة—في منطقه—أسمى من السياسة... وهو نفسه الذي تحدث في كروية الأرض قبل قرون من شيوع الفكرة (لم يكن الوحيد)، وهو الذي حاول تفسير سلوك الأمم بالمناخ والبيئة، لا بالأسطورة، ونفى وجود شعوب تولد ذكية وأخرى تولد غبية، لأن الذكاء عنده ليس مِلكًا للدم بل للمحيط والمناخ الذي يصوغ الإنسان.
هذا ابن خلدون الذي لم ينجُ من الهجوم: فالعرب وجدوا فيه من جرّدهم من أساطير اليمن، والأمازيغ وجدوا فيه من لم ينطق بالجداول الجينية الحديثة، وكأن الرجل كان مطلوبًا منه أن يسافر عبر الزمن، يحمل المختبر على ظهره، وأن يحلّ ألغاز E-M81 وJ1، وأن يتعامل مع النياندرتال والهومو سابيان كما يتعامل عالم الوراثة المعاصر.. الجميع يريد ابن خلدون على مقاسه، عربيًا صميمًا أو أمازيغيًا صميمًا، بينما الحقيقة أنه لم يكن سوى رجلٍ جعل العقل ميزانه الوحيد... وهذا لا يحبه المتعصبون من الطرفين.
الرجل ينتمي إلى حضرموت، إذ نقل ذاك عن شيخه في العلم -ابن حزم-، لكنه كذّب اليمنيين جميعًا في نسب البربر، ولو كان متعصبًا للعرب لما فعل. بل كان منصفًا إلى حدٍّ يزعج جميع الأطراف. وهذه قمة العلمية: أن يجرؤ الإنسان على نقد قومه كما يجرؤ على نقد سواهم.. فقط جَلَدَ الجميع، ومَدَحَهم في مواطن المدح.
أما القول بتحريف تاريخه، فهو بابٌ لو فتحناه لما بقي شيء من التاريخ قائمًا. الطبعة الأولى لم تخرج إلا من بيروت العربية، اعتمادًا على مخطوطات تونس والجزائر وباريس، وكل الطبعات اللاحقة كانت ظلًّا لها. وإن كان هناك تحريف، فالسؤال المنطقي: لماذا يحرف العرب كتاب مؤرخ عربي ليجعلوه يقول "إن العرب يهدمون العمران ويخربون البلاد التي يقتحمونها"، و"إن نسابة اليمن مخرفون"، و"إن البربر مستقلون بأنسابهم وحضارتهم" ؟ ما المصلحة؟ إن فتح هذا الباب يعني أن نتوقف عن الاستشهاد بكل كتب التاريخ، أو نلجأ إلى الجينات وحدها بلا أي ربط تاريخي، أو نقول إن كل من وُلد على أرض فهو ابنها وانتهى الأمر. وكل هذه الخيارات لا تنتج معرفة بل تقتلها.. والإنسان بطبعه يحتاج أن يعرف دائما أين ومتى وكيف ولما!
إن أخطاء ابن خلدون موجودة، لكنها أخطاء بشرٍ يفكر وفق أدوات زمنه، لا أخطاء متعسّف يحرّف أصول الناس!! الفرقوات عظيمة! الشيء الذي أخذه عن ابن حزم وابن عبد البر... وما سهى عنه لا يمس جوهر مشروعه العام... ولهذا سيبقى ابن خلدون، رغم كل السجالات، المفكر الوحيد الذي جمع بين عين المؤرخ وعقل العالِم وروح الفيلسوف المفسّر. فقد كتب في القرن الرابع عشر ميلادي، أينَ كانت شمال إفريقيا تغلي غليانا، لكن فكره لا يزال يناقش قضايا القرن الحادي والعشرين. ولم يكن مُلكًا للعرب ولا مُلكًا للأمازيغ، بل مُلكًا للفكر الإنساني، هذا الرجل أزعج الجميع لأنه حاول أن يقول الحقيقة باستعمال أعلى طرق العلم والمنطق المتوفرة في زمنه.
وأحيانًا.. يكفي أن يقول المرء الحقيقة، ليُحاكم من الجميع.
إذًا.. هل كلام ابن خدلون يوافق علم الجينات؟
باعتبار أن كنعان بن حام إفريقي، ومازيغ منه، لأن أبناء حام كلهم في إفريقيا (مصرايم كوش فوط وكنعان) وأن "من ولد كنعان دخلوا إلى الشام فأصبحت تسمى أرض كنعان"، كما قال ابن الأثيــر والمسعودي، وكما اثبت ذلك العلم (الإنسان انطلق من إفريقيا) فنستنتج أن تحليل ابن خلدون صحيح جدًا، حتى لو لم يكن حام وسام ويافت وكنعان وغيرهم إلا مجرد أسماء خيالية... لكن الأكيد أن هناك أبناء لنوح، أيا كان اسمهم: بهذا يستحق الرجل تكريمًا ويوما وطنيا مُخلّدًا.
#عمادالدين_زناف #الجزائر

تعليقات
إرسال تعليق