التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فرونسوا بيغودو والبرجوازية



لنكتشف معا فرونسوا بيغودو، صاحب الآراء الجريئة في محيط أدبيّ ديبلوماسيّ. 
"البورجوازية الليبرالية هي صاحبة القرار، وليس التيارات السياسية بكل فروعها"
في كتابه’histoire de ta bétise (قصّة حماقتك)، يعبر فرونسوا بيغودو، الكاتب والناقد الفرنسي، عن أفكار حادّة وموجّهة صوب الليبرالية الحالية، قائلا أنها هي التي أنتجت، منذ 200 سنة مضت، هذه الطبقة البورجوازية، التي تتعدى فكرة الثراء والمال، إلى ما يسمى صناعة القرار والتوجهات. إذ أن الثورة الفرنسية جاءت بالحكم البورجوازي، ولم تكن أبدا ثورة شعبية ضد نظام ملكي مُستبدّ. الحكم البورجوازي صنع قضايا للشعوب، ليُبقيَ قضية الحُكم والسياسة لعبة بعيدة عنهم، يُديرونها كيفما أرادوا. البروجوازية طبقة من النبلاء الأثرياء، الذين استغلو عنف الليبرالية لصناعة ثروة، ثم عوائل، وبهذا صنعوا توجها لإدارة الشؤون العامة. العمل السياسي في هذا العثر مبني على صناعة المنافس الشرير، فالذي يود أن يُشارك في السياسة السياسية (الميدانية) سيجد نفسه لا يدافع على أي قضية اجتماعية معينة، بل سيبقى يتنافس مع تيارات وايديولوجيات أخرى، يستعملها للصعود في سلم السياسة، وكذلك يفعل الآخر. اليميني يتبنى خطابا معاديا ضد اليساريّ، واليساريّ يبيّن مخاطر اليميني، وكلاهما يوجهان خطابا لشعوب لا يعنيها من هذا سوى حلولا لقاضياها الاجتماعية (وظائف، سكن، تخفيض أسعار المواد الأساسية.). لكن البورجوازية الليبرالية صنعت لها اهتماما جديدا يشتت انتباهه، فقد صنعت الحوار التاريخي والايديولوجي، ليجد نفسه أكثر ولاءً لليسار أو اليمين، لحزب اشتراكي أو ديني أو ليبرالي، متحدثا عن قضايا تاريخية وبعد إقليمي لا يعني البسطاء من الناس. 
لقد صنعت البورجوازية الليبرالية من البسطاء آلة للدفاع عن توجهاتهم الإيديولوجية، أداة للتبرير، وجعلتهم يتخلون على كل شيء في سبيل الدفاع عن القضايا التي لن تعود إليهم بالنفع. المواطن اليوم لا يملك ما يجعله إنسانا محترما، لكنه في نفس الوقت يتعصب لأشياء لا يعلم عنها سوى شكلها، ولا يعلم حتما من المستفيد من نجاحها أو خسارتها. 
"الماركسية تيار قدم أقلاما ذهبية في الأدب والفكر، عكس الليبرالية".
بما أن الماركسية هي سليل فلسفة ألمانية، ذات بعدين، الأول جدلي هيغيلي، والثاني مستمد من الفرنسيين في شاكلة فرونسوا بابوف، فللماركسية خلفية فكرية اجتماعية حقيقية، قائمة على واقعية المادة، وأن المال وجب أن يكون محور حديث المجتمعات، أكثر من الليبرالية التي جاءت بخلفية اقتصادية ميكيافيلية بحتة، التي تعمل على إعلاء صوت الفرد، طبقيا، أي جعله بورجوزايا، أكثر من ترقية المجتمع ككتلة. ويقول إن اليسار السياسي أعلى قدما في الأدب والفكر من اليمين، بالرغم من أنه من محبي شاتوبريون، وبالزاك وبيرنانوس وموراس، الذين ينتمون إلى اليمين السياسي، يقول، أينما يكون الفكر العال، تكون هناك قضايا تتجاوز الليبرالية الحادّة، أي، أكثر عمقا وأكثر تفصيلا. 
"الأناركي (اللاسلطوي) لا ينتظر شيئا من السياسيين"
عكس الماركسيين، يرى بيغودو نفسه أكثر ميلا للفكر الآناركي، لأن الأناركية هي السبيل الوحيد لتفادي حكم البورجوازية، هذه الأخيرة التي سقط في قبضتها حتى ماركس نفسه، الذي كان كغيره ثريا قريبا من البورجوازيين، ما جعله يختلف تماما عن طريقة تفكير برودون الذي كان أو من تكلم باللاسلطوية، وباكونين وغيرهم من فلاسفة الفكر الساعي للتحرر من السلطة السياسية بكل أطيافها. الأناركية عكس مفهوم النظام السلطوي، لكنه لا يستطيع ان يتحرر من فكرة النظام بالكامل إذ حتى لو تخلى عن السلطة فهو مضطر لتشكيل سلطة مصغّرة لإدارة الشؤون الاجتماعية. 
"لا أحب نيتشه، هو فيلسوف غير واضح سياسيا ولا اجتماعيا"
نيتشه قوي جدا، يدفعك للتفكير طوال الوقت، يشكك في ما تراه حقيقة، وهذا أمر جيد، لكنه لم يفهم شيئا في الحركة العمالية التي عاصرها، في الحركة اللا سلطوية، هو لم يفهم تلك القضايا لكنه يتوجه برأي ساخر عنها في مأثورة أو مأثورتين لأنه قادم من خلفية بورجوازية بروسية خالصة. عندما أقرأ نيتشه، لا أنتظر منه أي نوع من الفهم الاجتماعي للأمور، بل هو يقودنا باستمرار إلى توسعات وتعمقات ترمي إلى أشياء أخرى باستمرار.. المزعج في فلسفة نيتشه أنها تنتقل يمينا ويسارا، ويرى الجميع أنهم نيتشيون في وقت واحد، أما ما هو مثير في نيتشه، هو أن له نظرة عميقة في قضية الأخلاق وفي مفهوم قلب القيم، من هنا يدفعك إلى التفكير الحقيقي بشكل رائع. 
" حيلة تَشفير الكلام لبَسط السُلطة المَعنويّة على الشعب"
يستعمل الگثير من ”المتخصصين الميالين للفكر البورجوازي“ في مجالاتٍ مُعينة، أسلوب تشفير اللغة التي يتحدّثون بها، وذلك بُغية فرض نوع من السلطة والهَيمنة على السامع والقارئ، لأن الأساليب السهلة تجعلهم يبدون كالآخرين، ما يحزّ ذلك في أنفسهم كثيراً. إن صاحبَ التخصص لا يستطيع أن يُظهِر تفوقه إلا باستعمال مُصطلحات هو يعلم أن الآخرَ لا يعرف معانيها. وهي طريقة لكي يُبرز أحقيّته في منصبه أو في المَگانة التي يريد أن يضع نفسه فيها. لسان حاله يقول ”أنظروا كيف أستحق مكانتي، أرأيتم اللغة التي أتكلم بها؟ أنا أتحدث بلغة لا تفهمونها! من الطبيعيّ أن أكون [ كاتبا، قاضيا، ممرضا، محاميا، مهندسا، معلما..] وأنتم لا!“ هي طريقة لكي يصنع الفروق بينه وبين الآخر، يقول بورديو «نتمّق في الحديث لنجعل أنفسنا خارج الجماعة» المستعمِل لهذه الطريقة يتقصّد ألا يُفهم! لأن الناس يضعون من لا يَفهمون حديثه في مصاف العلماء أو الفلاسفة، عكس الذي يفهمون حديثه، فهم يحتقرونه بسهولة.
في موضوع آخر، نتحدث عن النقد وكيف يتم تقييده في وجهة نظر بيغودو. 
"كيفَ تكونُ كاتبًا وناقدًا لكُتُب الآخرين في نفس الوقت"!
إن من أعقد المهام والأمور التي يمكن أن يقع فيها المؤلف، أن يكون في نفسه ذا حسّ نقدي. الحساسية في هذا الفعل تكمن في كونه كاتبا هو الآخر، أي، لن يُفهم نقده إلا أنه "يرى بأن أعماله أحسن من كل الكتب التي ينتقدها". في الحقيقة، الكاتب هو ناقد، فهو يكتب ردّة فعله إزاء ما يراه، ما يشعر به، أو ما درسه. لكن سريعا ما سيُرى على أنه متعالٍ، متعجرف، مُعجب بنفسه، إذا ما تطرّق لأعمال زملاء له في المهنة. أعمال يجب أن تخضع للنقد، سواءً من زميل لهم في المهنة (الذي يبقى أدرى بتفاصيل التأليف) أو من قارىء "محبّ" أي "غير ممتهن" للأدب. 
المؤلف ناطق باسم طبقته الاجتماعية، باسم ايديولوجيّته وباسم فكر ما، وكذلك باسم أسلوبٍ معيّن في الكتابة، وهذا ما يترك "عمله" يتقاسم معه جزءًا من النقد، ولا يبتلعه هو لوحده. النقد الموجه من زميل المهنة، هو نقد بين المدارس الفكرية والأدبية، وليس نقدًا لابراز من يكتب أحسن من الآخر، ويبيع أكثر من الآخر. 
نجاح الأعمال الأدبيّة لم يكن يوما متعلّقًا بجودة الكتابة، حتى الأفلام، لم يكن نجاحها متعلقا بجودة التصوير ولا امتياز الرسالة. من يستطيع فك لغز اللوغاريتميات في الانترنت، سيتمكن حتما من اكتشاف سبب نجاح عمل على حساب الآخر، بذلك، سيبقى نجاح الأعمال مستقلا عن أي نقد، ولا يوةجد نقد يمكنه ايقاف نجاح عمل، أو تحسين صورته مهما كان.
الحساسية بين زملاء المهنة لا يمكن التغاضي عنها، خاصة إذا كان الناقد المؤلف أوسع شهرة وأكثر "نجاحا" من المؤلف المُنتَقَد. لكن على المؤلف أن يتجاوزها، لأن الناقد كالقارىء المتمرّس، بيدَ أنه أكثر تمكنًا، ويحق للناقد أن يكون مؤلفا هو الآخر، خاضعا للنقد من زميل له، يعمل في مجال التأليف والنقد. النقد الهدّام غالبا -النقد المشخصن- لا يأتي إلا من الأقل شهرة ونجاحًا إلى الأكبر شهرة، وبالتالي هو ليس بنقد، بل هو تعبير عن الاستياء، ما يظهر جليا بين السطور. 
كيف يمكننا التخلص من تقاطع المصالح في الحالتين؟ في قضية النقد الأدبي، بعيدا عن التخصص -أين لم يعد هناك تخصص- النقد خاضع لتضارب مصالح، بين مدح كتب وكُتاب على أساس الزمالة الفكرية أو تقاسم المحيط الأدبي -ربما يتقاسمون نفس دار النشر- وبين نقد ظاهره موضوعي وباطنه تنافسي شخصي غير شريف. هل يمكننا معرفة نوايا الناقد؟ -فالحقيقة النوايا تظهر بين الأسطر، الشخصنة، الإطالة في الهوامش، التكرار، كل هذا يضع الناقد أمام غاياته من النقد. لكن الحكم على الناقد لا يكون سوى بقراءة نقده، وقبوله إذا ما كان غير شخصي. وبالتالي سنعلم أين يريد أن يصل بنقده. هل علينا أ نحدد من ينتقدنا؟ ما الفرق إذا كان النقد يأتي من زميل في المهنة أو محب لها؟ 
الفرق أن الناقد المؤلف يبعث برسالة غير مباشرة -أو مباشرة- لقراؤه لئلا يقرؤوا لمن ينتقده، غير أن القراء مستقلون بذاتهم، فمن سمح لنفسه بأن يُساق، فهو من الأساس ليس بالقارىء النهم. 
ليس هناك نقد حقيقي في الأفق.
النقد الحقيقي يكون من الذي درس النقد الأدبي، فإذا خلعنا هذا الشرط التعجيزي، في زمن ذبلت فيه التخصصات، وصار المختص كالعامّي في المجال، لن نجد أنفسا أمام أي محاولة نقدية فكرية جادّة، لأن النقد المعاصر اقتصر على ملاحقة الأخطاء اللغوية. الأخطاء التي إذا ما استكلف المدقق بتصحيحها، فهو المسؤول الوحيد عن بقائها وليس المؤلف. أما إذا كان النص مدججا بالأخطاء، فالمسؤولية تعود على دار النشر التي قبلت بعمل سيء. في الواقع، النقد يحتاج من صاحب ثقافة واسعة جدا، فإن غير المثقف لن يصحح الأخطاء الفكرية والعلمية للنصوص، وسوف يكتفي حتما بدور المدقق، دور إحراج زميله في السطحيات، أي أنه يمتهن النقد خارج الموضوع. 

إلى حد الآن، لا توجد ترجمة واحدة إلى اللغة العربية لكتبه، بالرغم من أنه صاحب أعمال عديدة ناجحة منذ سنة 2003، فهو مؤلف لروايات ولكتب فكرية، وكذلك ناقد، ومخرج أفلام وكاتب لسيناريوهات وصاحب جوائز في المجال. من يُحسن الفرنسية أدعوه لمتابعته ومتابعة أعماله، وليعمل لاقتناء آخر كتاب له بعنوان Boniments.

المقال 346
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....