التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مغالطة التقاط الكرز


مُغالطة "اِلتقاط الكرز" المَنطقية.

وتسمى أيضاً الالتقاطيّة، جاءت من الإنجليزيّة  cherry picking، هو أداة يستعملها السفسطائيون في الأسلوب ابلاغي والحاجّة، كذلك تُعتبر نوعاً من أنواع الانحياز التأكيدي، الذي عرّفته سابقاً بأنه يأتي عندما نبحثُ عن المصادر والمراجع والمعلومات المُبعثرة التي تَدعم انحيازنا لفكرةٍ أو ايديولوجية معيّنة، لندعم به ما نريده أن يكون حقاً، لا الحق الكامل! فما المقصود بالتقاط الكرز أو الالتقاطيّة؟

لمن لا يهوون القراءة المُطوّلة نُعرّف لهم المُصطلح على أنه عمليّة التقاط تجربة من أصل تجارب، وقول من أصل أقوال، ومصدر من أصل مصادر، ومجموعة من أصل مجموعات، وجعل تلك المعلومة او الفكرة المتمثلة في حبّة "الكرز الجميلة" هي الأصل، ونتغافل أو نحاول اغفال الآخر أن في الأمر عدّة نظريات وآراء وتجارب، قد تُعاكس تماما تلك النظرة التي يبدو أنها صحيحة في ذاتها! 

هذا الانحياز المعرفي يُستعمل كثيرا لأدلجَة الرأي العام عن طريق الاشهار والاعلام، فقد نأخُذ إحصائية معيّنة خصيصاً دون غيرها لتسويق فكرة ما، أو قد نأخذ من التاريخ جُزئيّة من أصل أحداث كثيرة ونجعلها مركزاً للتاريخ.  ليس هناك بَشريّ لم يستعمل الالتقاطية في المحاججة، فدون التقاط ما يروقنا، أو ما يحفظ ماء وجهنا، لما استطعنا الوقوف أمام أوّل الحجج العلمية والمنطقية التي تكسِرُ ظهورنا.  

الالتقاطية خطأ منطقي جسيم، لأنها قائمة على النوادِر، الخُرُقات، العجائب، المصائب، سواءً كانت إيجابية أو سلبية، إذا تم التقاط شيء عن شيء، فلأن المُلتَقَط فيه ما يثير الانتباه، ما يَصدُم، ما نعتقد أنهُ كلمة الفصل التي يخرّ لها الجميع، بيدَ أن في الفكر والعلم والفلسفة، لا يوجد التقاطيّة، ولا خوارقَ إلا ما ندر، فاختيار تجربة عن أخرى طريقة غير علمية، وخيانة فكرية أيضاً.  التجارب تؤخذ جملةً، وتُناقش جملةً، فأي إخفاء لتجربة أو رأي يعني أننا ننحاز، والانحياز عدو الفكر المنطقي والعلمي، والمُنحاز لا يؤخذ منه رأي ولا علم. 

في حالة القضاء، يمكن أن يُفتح باب الالتقاطيّة، المُحامي يمكنه أخذ كل ما يدافع به عن موكّله، وهي عملية جمع الأدلة على براءته. أما الجانب الآخر، فهو يحاول التقاط كل ما يدين المُتّهم، بما يتماشى والأدلّة القطعيّة، او ما يُقنع به القاضي منطقيّاً. 

التقاط شيء دون غيره لا يعني أن الشيء المُلتقَط ليس صحيحاً، ما هو غير صحيح يكمن في العمليّة والأسلوب، ما هو غير صحيح هو عملية تجريد الجزء من الكل، وجعل الجزء شيئاً مستقلاً، لهذا تُدعى مغالطة، فالفرق بين المغالطة والغلط كبير جدا! الغلط غلطٌ أينما وُضع، بينما المُغالطة هي وضع الصحيح في المكان الخطأ لغرض الاحتيال.

المقال 323
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....