التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرهفة السياسية حنة آرنت



اعتبرت حنّة نفسها وريثة الفلسفة الآرسطية البحتة، الذي أخذت عنه تعريف الإنسان بالحيوان السياسي. جدير بالذكر أن نفكك مصطلح حيوان، كي لا نفكر في تشبيه غير لائق بالدواب، الحيوان من حياة وحيوات، فكل ما فيه حياة هو حيوان.  يعي الإنسان إنسانيته وسط المدينة وقوانينها، لأن بذلك الفعل السياسي يتميّز عن باقي الكائنات الحيّة، بالكلام والمنطق.  فهما يشكلان قدرة للتفاعل، وبذلك يساهم الإنسان في صناعة العالم من حوله.  على عكس الذي يعتني بذاته وحاجياته، ذلك عند الإغريق ليس بإنسان. بنفس الطريقة، ترى أرنت بأن السياسة طريقة مناسبة للتعبير  عن إنسانيتنا، بل هي شرط أساسي لكل الحريّات، دون السياسة لا حريّة ممكنة، ودون حريّة، لا عمل سياسي نافع.
وهذا الفكر يعد نقيضاً للمدرسة الرواقية، التي ترى أن كل العمل الإنساني يكمن في دواخلنا، لا في المحيط. فقد كان يرى إبكتيتوس أنه حرٌّ من كل سيّد، رغم مهنته كخادم.  هذه النظرة بالنسبة لآرنت تعتبر عيباً سياسياً، وشعور بالهزيمة، هزيمة تشبه هزيمة الآثينيين ضد الإسبرطيين.  كذلك في العصور الوسطى، أين كانت شروط السلام تحت رحمة الدين فقط، ثم ما عرفه العالم في الحربين العالميتين. 
مع ذلك، تعتبر أن الإبتعاد عن السياسة يقود للتجارب الشمولية، التخلي عن العمل السياسي، يعني التخلي عن التفاعل، للإنطواء في أمورهم الخاصة، وهذا ما يفتح بابا واسعاً للبيروقراطية، والشمولية.  سنة 1951م، أصدرت كتابا بعنوان أصول الشمولية، قالت فيه أن الشمولية عبارة عن تجربة سياسية جديدة، لأن حتى في وسط البيئة الديكتاتورية، يمكن للأفراد ان يمارسوا الكثير من حراياتهم، لكن الشمولة تغزو حياة الأفراد كلياً، مع فرد أن يتم تبجيل الحزب وقائده. 
حضور النظام يصبح شموليّ، فهو نظام لا يفرّق بين الشؤون العامة والخاصّة.  يستمد طاقته وأحقيته من قضايا عرقية ودينية وتاريخية، لا انتخابية ولا برامجية.  والناس بين كل هذا عبيدٌ خدَم، يضحّون لباقاء ذلك. 
الشمولية هي رفض الإنسان ودوره كلياً، الشمولية تنهي السياسة، الطريق الوحيد لتفاعل الانسان ورفضه ومساهمته في تعديل الأوضاع.
الأولوية السياسة بالنسبة لها هي أولوية إجتماعية أيضاً، لأن القضايا الإجتماعية مثل مطالب العمال، يمكنها أن تستعنل كضغط سياسي ضد النظام.  السياسة الإجتماعية تعنى بالحالة الإقتصادية للبلد والشعب، وعكس الشمولية، المجتمع اامدني هو من يفرض على نظامه طريقة العمل السياسي.
لكن تفوق هؤلاء الأفراد، ما هو الا تفوق لبعض المستهلكين لا غير، وهو فقدان الحرية من نوع آخر، بسبب العادة وتكرار نفس المطالب. 
السياسة بالنسبة لها لا تعنى بموضوع العمل، لكن بالفعل والتفاعل، العمل مهم لأنه يصنع الثروة، لكن هذا لا يعني جعل هم الأمة في ظروف العمل.  المجتمعات المعاضرة وضعت العمل فوق التفاعل السياسي، إلا أن التفاعل السياسي يصنع عالماً جديداً يعطي معنى لحياتنا.. عكس العمل الذي يحوم حول نفسه.

#عمادالدين_زناف 
المقال 249

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....