التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحرية قيدٌ شفاف



الإنسان خاضع للضمنية، فهو ضمن كون، وضمن نظام طبيعي، وضمن عالم المخلوقات، وضمن عالم الإنس، وضمن مجتمعه، وضمن نفسيّته، وضمن قوقعته [ الأنا]، ولو بقينا نعدد الضِّمَن فلن ننتهي.
 فقط تخيّل كرة صغيرة، ضمن كرة أكبر منها، وأخرى أكبر.. وكل كريّة خاضعة لظرفها، المرتبط بالكرة المحيطة بها، أصغرهم مرتبطة بأكبرهم بالتسلسل النظامي، المعنوي، الروحاني، والمادي.
فعندما يأتي أحدهم، ويدّعي التحرّر، نطرح عليه سؤالاً وجيهاً؛ التحرّر عن ماذا؟ تقصد أن تُصبح إلكترون حرّ؟
لن تجد تعريفاً مباشراً للالكترون المتحرّر.
 كل فكرة وحركة واعتقاد يُقيّدك بضمنية أخرى، صنعها أشخاصٌ آخرون.
ربما يكون مصطلح [الأحرار والحريّة والتحرّر] هو أكبر أكذوبة يصدّقها بعض الناس. لأنه مصطلح مُقيّد كغيره، فأنت تتحرّر من فهم، لتتقيّد بفهمٍ آخر، حتى لو ادّعيتَ التنصّل من كل المفاهيم، حتى لو سكنت الكهوف، وتجرّدت من كل رمز حضاري، مادي وفكري أو معتقدي، فأنت مقيّد بالفكر البدائي.
يُستعمل مصطلح التحرر والتمرد عادة، لإخفاء الإنتماء الحقيقي للأفراد، أو الإنتماء الجديد الذي يعتقدونه، وبحكم القيد الإصطلاحي في المجتمعات، يمتنع الكثيرون عن ذكر المعتقد الذي يسيرون عليه.
يحدثُ أن يجهل مدّعي التحرر ما الإعتقاد الذي يسلّم به، وهذا للعجز الثقافي والفكري الفادح.
من لا يَعبدُ الله، فهو يعبدُ رغباته، اي نفسه، يُقدّس ملذاته، ورغباته، أو، يقدّس إنساناً مثله، لا حول له ولا قوة. فإذا تحررت عن الدين، تقيّدت بشيء آخر، له نفس قُدسية الدين!
اللعب بالمُصطلحات، هو التحرر الذي يعتقده الناس في معتقداتهم اليومية، وأفعالهم العشوائية.
إن الذي إذا جاع أكل، وإذا تعصّر أحدث، وإذا حزن بكى، وإذا فرح ابتسم، وإذا أحب أعطى، وإذا كره عادى.. لا يُحسن أن يتحرر من عاداته الضمنية، فكيف له أن يتحرر بما يفوقه إدراكاً، وهو جزء من بليون جزء، ضمن عالم كالخاتم، ملقي في وسط صحراء شاسعة..بالمقارنة بعرش الرحمٰن.

#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....