التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لا عقلانية القُوّة



📌لا عقلانية القوّة.

وبعد أن علمتُ بحماقة تهوّري، تريّثت للحظة وفكّرتُ وتساءلت، ما مَعني أن أفقد عَقلانيّتي وهدوئي في كلّ مرّة أجد فيها نفسي مرغماً على الفعل، أو ردّة الفعل، كيف أفسّر غياب حكمتي ورصانتي، عندما أحتاج الى الهرولة أو الصّراخ، عندما أهمّ بالبطش على شيء ما، أو سحب شيء ما.
وكلّما اشتدّت الظّروف وقساوتها، أو كُنتُ على شفا حفرة، أو وجدتني مُنقذاً لمارٍّ أو صبيٍّ، أو مُنقذاً لنفسي، كُلّما قلّت حِكمتي وحيلتي، وارتفعَت هِمّتي وقَسوتي، وزاد عُنفواني واندفاعي، غير مُبالٍ بما قد يُسفرُ عنه هذا التحوّلُ اللّحظي. 
أعقِلُ أنّ مواجهة الخطر تَكون بالخَطر نفسه، ولا عقلَ مع من لاعقلَ لهُ من جمادٍ أو دواب، لكنني لا أعقلُ تقبّل العقل للمُخاطرة بالذّات في سبيل "لحظة"، وليس في سبيل سعة من الوقت والحياة، فعندما تَفقد أعزّ ما تملك، وهي نَفسك، من أجل لحظة مُعيّنة، فقد يكنُ هذا نبيلاً، بل هو كذلك، لكنّك ستفقدُ نَشوة الانتصار بذلك، أو عَيشِ ذلك، ولن تعودَ لك نَفسك، فقد تَخسرُ حياتك للأبد.
هذه توطئة، لفكرة التهوّر عندما نحتاجُ التريّث، فهل هذا التهوّرُ لا عقلانيّ فعلا؟
الجميع يعلم أن الرّجلُ، على عكس المرأة، يملك هُرموناً قَويّاً، هو ما يَجعلُهُ يختلفُ جذرياً عن المرأة، وعندما أتكلّم عن الاختلاف، فهو ليس اختلافاً ظاهرياً، أو فيزيولوجياً، بل اتحدّثُ عن اختلافٍ فكريٍّ حقيقي، ونظرة نَفسيّة مُغايرة عن الحياة.  
هرمون التستوستيرون هو المُسبّب الأوّل لوفاة الرّجل، أمّا كيفية الموت، فهو تفصيلٌ بسيط في أغلب الأحيان، قد يَعتقدُ الكثير من النّاس أن تَهوّر الرجل نابعٌ عن نقصٍ في الذّكاء أو الحكمة او التعقّل، وهذا الرّأي غير علمي، وغير قائمٍ على شيء مُعيّن، الرّجل كائنٌ صيّاد بطبعه، فهو من يشدّ الرّحال الى الفرائس، والكنوز العميقة، والقُرى البعيدة، وفي كلّ تلك الرّحلات والجولات، يُلاقي أنواعاً من الشِّرار، لذلك هوَ مُزوّدٌ بسلاحٍ يُبطلُ عقلانيّته أمامَ الخطر، لأنّ الخَطرَ في ذاته لا يُمهلك بُرهة للتفكير، فلوّ مالَ الرّجُلُ للتفكير طرفةَ عينٍ لانتهى قبل أن يُقاوم بثواني.
والانسان يَميلُ للتريّث والسّكون بطبعه، لكنّ الله شاء أن يُزوّده بهرمون يجعلهُ "يَندفعُ" للحركة، مع هرموناتٍ أخرى مثل الأدرينالين والكورتيزول اللذان يحميان الرجل والمرأة على حدّ سواء.
هذا الهُرمون، هو الذي يَدفع الرجال للحرب، لحماية العِرض، للمُغامرات والاكتشاف، وكُلّها أفعال لو "عُقلنَ فِعلُها" لما همَّ اليها الكثيرون، لأنّ خَطر الموت يَحوم في كل خطوة ومُراد، ومن منّا يَندَفعُ نحو الموت وهو في سِعة من التفكير والتدبّر، لن نَجد أحدهم وهو مُستلقٍ على سريره وفي يمينه كوبَ عصير يُردّد’ أن أجملَ ما في الحياة هو الموتُ في نِزالٍ ما’.
أجملُ ما في الحياة هي الحياةُ نفسها لا الموت، لكن الموتَ سبيلٌ للحياة في عديد من المرات، هكذا استمرّت الحضارات والدُّول والثقافات، فان لم يَكُن هناك انسٌ مهيؤون "للاندفاع" عندَ الحاجة، فمن يَضمنُ سيرورة وصَيرورة الحياة؟
القوّة لا عقلَ لها، لأنّ عَقلنتها يُفرغ طاقتها ويُرضخها، القوّة طاقتان، طاقةُ التخطيط في السّعة، وطاقة الاندفاع عند الخطر، وغيرُ هذا يُعتبرُ اختلالاً لا عقلانية البشر، فما يَحدُثُ من تراخٍ عند جنس الذكور، هو خللٌ هُرموني قد بدأ منذ عقدٍ من الزّمن، وأنّ قلّة المغامرين والمكتشفين والمُندفعين تنعكسُ سلباً على استمراريّة الحياة بشكلها الطبيعيّ التي نشأت عليه.

المقال 170
Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....