التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الأعلى عند دوستويفسكي



بدأت فكرة الإنسان الاعلى تتبلور في عقول الفلاسفة بداية من الشاعر والفيلسوف الالماني جوته، قبل أن تنتقل الى فيودور دوستويفسكي،  وخاصه في رواية الجريمة والعقاب،  اين يظهر بشكل واضح نظريه الانسان الاعلى بالنسبة له، قبل ان تستقر عند الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه،  الذي استعان بنظريات كلّ منهما، ليُخرج منظوره "النهائي" حول عُلوّ الإنسان.
في هذه المقالة اخترت أن أتوقف عند دوستو، لأن نظرته عن الإنسان الأعلى تختلف عن الألمانيين!، وقد تكون هذه النظرة هي أقل ما يُعرف عن ”المُقامر“.
المقال الـ128 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف 
هل علينا قتل الإنسان السيئ و إقصائه من الوجود؟، في رواية الجريمة والعقاب، يروي فيودور قصة شاب من سانت بيترسبورغ وقد نزلت به الظروف الى الفقر الفاحش، يدعى ذلك الشاب روديون راسكونليكوف، وقد كان طالباً في كلية الحقوق، فقد اطر روديون لبيع اعزّ، الذي يتمثل في ساعة والده، لكي يدفع أجرة البيت.
اتجه روديون الى الساعاتية، والتي استغلت ظرفه القاسي و حطّت من ثمن الساعة الى الدرجات الدنيا، فالتهب الشاب غضباً لهذا الظلم، وقرر معاقبة العجوز، إذ لم تغادر فكرة ”قتلها“ ذهنهُ المُغضب! 
إنها عجوزٌ تعيش على أنقاض البؤساء والمحتاجين، إنها امرأة سيّئة ومنها الكثيرون..، هذه المرأة عبء على الإنسانية..يُحدّث نفسه روديون!
دبّر راسكولنيكوف جريمته بدقة، فقدد تسلل لبيت الساعاتية، وشقّها بضربة فأس ليشقّ رأسها نصفين! لكنه لن يلمح وجود أختها في البيت، وبما أنه لم يفكر لوهلة بالعدول عن جريمته، فقد قرر قتل اختها أيضا لكي لا يُبقيها شاهدة ضدّه.
في صدر الرواية نجد تحقيقات، خوف من أن يتم القبض عليه، الوسوسة، نقاشات في عقل روديون، وعديد الأمور المعقدة، التي يتلاعب بيها دوستو بمهارة نادرة، لكن هناك شيءٌ واحد لا يتغير في عقل الشاب روديون، هو أنه لم يندم عن الجريمة.
راديون متيقن حق اليقين أنه لم يرتكب أي خطأ!، قتل تلك المرأة ليس شراً بل أمراً بديهيا، كان يجب تخليص الإنسانية من ذلك السوء!
” مع غاية صلبة ونبيلة، نستطيعُ القيام بشيءٍ مخزي“، هكذا يرى دوستو الإنسان الأعلى، وهي لا تبتعد عن نظرة ماكيافيلي، الغايات تبيح الوسائل، إنما التعديل الذي أضافه دوستو، هو الإقتناع بنبل تلك الغاية.
كان يرى بأن نابليون كان على حق، عندما اطلق النار على عديد العُزّل، ”فلولا تلك العملية، لما عرف العالم قائداً فذاً وعظيماً.“
راسكونليكوف أعلى لنفسه الضوء الأخضر للدعس عن الأخلاق لسببٍ أعلى وأرقى، وهو إزاحة الشر.
من الضروري أن نزيح بعض البشر من أجل استمرار البشرية، هكذا يُصوّر راديون جريمته.
دوستو لم يكن شيوعيّ الايديولوجية، على الأقل لم يسرح بذلك، لكن تفكيره كان الأكثر شيوعية بين المفكرين، فقد حكم عليه بالسجن في بانيا لمحاولة قلب الحكم ضد ”التزار“ نيكولاس الأول الروسي.
الايديولوجية الشيوعية تعمل بنفس الفكر والطريقة، اقصاء السيىء بالجريمة لهدف أسمى وطيب! فهل نستطيع القول أن دوستويفسكي كان الأب الروحي ”الأدبي“ الذي لازم الانقلاب السوفييتي والجيش الأحمر!
الإنسان الأعلى هو القانون ولا قانون يعلو عليه، لأنه الفاروق والفيصل، فهو يملك سلطة الاصلاح، وجرأة الاصلاح! هذه هي نظرة دوستويفسكي.
هل نجحت فكرة الإنسان الأعلى السوفييتية والنازية؟ لم تنجح، ومع ذلك، دعونا لا نأخذ موقفا بالتأييد ولا بالرفض.
كانت نظرة جوته للإنسان الأعلى شاعرية وعاطفية، فقط كان متأثرا بالإسلام كثيراً، وكان الجو في بروسيا وقتها مستقراً، أما نظرة دوستويفسكي فكانت وليدة البيئة القاسية في روسيا، فالأدب الروسي كله تأثر بالحكم والاقتصاد الروسي الوعر.
فهل من الممكن أن نجد نظرة متجردة عن طبيعتها في القضايا الإنسانية؟، وهل ستضيف شيئاً معينا إذا حاولت التوفيق بين كل الظروف والأزمنة..


انتهى
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....