فرونتو النوميدي وفضله على اللغة اللاتينية

 


فرونتو السيرتي:

#النوميدي الذي أعاد إحياء وتنظيم #اللغة_اللاتينية 


مقال عماد الدين زناف 


حين نتحدث عن أعلام الأدب اللاتيني، غالبًا ما تتجه الذاكرة إلى شيشرون، وفيرجيل، وكاتولوس، وسينيكا، وأوغسطين النوميدي. غير أن القرن 2 الميلادي أنجب رجلًا آخر ترك أثرًا عميقًا في تاريخ البلاغة اللاتينية، رغم أن اسمه لا يحظى اليوم بالشهرة التي حظي بها أولئك، وهو ماركوس كورنيليوس فرونتو (Marcus Cornelius Fronto).  والمثير في سيرته أن هذا الرجل ولد في سيرتا (Cirta)، عاصمة نوميديا، أي قسنطينة الحالية في الجزائر، نحو سنة 95م، وهو نوميدي الأصل.  انتقل إلى روما في شبابه، وهناك أصبح محاميًا وخطيبًا وعضوًا في مجلس الشيوخ، ثم قنصلًا سنة 142م، قبل أن يختاره الإمبراطور أنطونينوس بيوس لتعليم ابنه بالتبني ماركوس أوريليوس وأخيه لوقيوس فيروس فنون الخطابة.¹


لم يكن فرونتو مجرد مدرس للبلاغة.. فقد كان صاحب تصور خاص لما ينبغي أن تكون عليه اللغة الأدبية، أي لغة لا تكتفي بأن تكون صحيحة، وإنما تبحث عن الكلمة الدقيقة، النادرة، المؤثرة، والمناسبة للسياق.

______ وهنا تكمن أهميته في تاريخ اللاتينية.


كانت سيرتا من المدن المهمة في العالم الروماني، بل تعد قلبا نابضا في شمال إفريقيا. ومن هذه البيئة خرج فرونتو ليشق طريقه في روما، مركز القوة السياسية والثقافية للإمبراطورية.


وتصفه المصادر الحديثة بأنه كان من أبرز خطباء عصره، حتى إن أحد نصوص Panegyrici Latini اللاحقة وصفه بأنه:


«“non secundam, sed alteram Romanae eloquentiae gloriam”»

أي:

««ليس المجد الثاني للفصاحة الرومانية، بل مجدها الآخر.»»


وهذه العبارة مهمة لأنها تكشف لنا حجم المكانة التي اكتسبها فرونتو في الذاكرة الرومانية اللاحقة.² ولم يكن هذا التقدير مرتبطًا بمكانته السياسية فقط. فقد كان فرونتو صاحب مشروع أدبي واضح، وإن لم يكن مشروعًا لتغيير قواعد اللغة اللاتينية نفسها، وهنا يجب أن نكون دقيقين: فرونتو لم يخترع قواعد جديدة للاتينية، ولم يقم بإصلاح نحوي للغة، إنما كان اهتمامه منصبًا على المفردات، والأسلوب، وترتيب الكلمات، والإيقاع، والصور البلاغية، واختيار التعبير الأكثر قوة ودقة.³

كان فرونتو يرى أن الخطيب الجيد لا ينبغي أن يكتفي بالكلمات المألوفة. فاللغة في نظره تشبه مخزنًا هائلًا من الكنوز القديمة، وعلى الكاتب أن يعود إلى الأدب اللاتيني القديم ليستخرج منه ألفاظًا وتراكيب أصبحت أقل استعمالًا.

ولهذا كان شديد الاهتمام بكتاب مثل:

- كاتو الأكبر؛

- بلاوتوس؛

- إنيوس؛

- سالوستيوس.

ولم يكن اختياره لهذه الأسماء عشوائيًا. فقد رأى في اللاتينية القديمة ثروة لغوية لا ينبغي أن تضيع مع مرور الزمن.⁴

وكان يقول إن الخطيب يستطيع أن يبحث عن الكلمة التي لا تخطر مباشرة على ذهن القارئ، شرط ألا تكون غامضة أو نافرة.

ويصف هذا النوع من الكلمات بقوله:


«“insperata atque inopinata verba”»

أي: ««كلمات غير متوقعة وغير مألوفة.»»


ثم يشرح أن مثل هذه الكلمات لا يجدها الكاتب إلا من خلال الدراسة والعناية والبحث في الأدب القديم:

«“studio atque cura atque vigilantia atque multa veterum carminum memoria”»

أي:

««بالاجتهاد والعناية واليقظة، وبذاكرة واسعة لما كتبه الشعراء القدماء.»» ⁵


وهنا تظهر إحدى أهم أفكار فرونتو، يقول إن الكاتب المتمكن لا يبحث عن الكلمة السهلة، بل عن الكلمة التي تؤدي المعنى بأكبر قدر من الدقة والقوة. لكن فرونتو لم يكن يدعو إلى استعمال الكلمات القديمة لمجرد أنها قديمة، وهذه نقطة كثيرًا ما تُغفل، فهو يحذر من أن استعمال اللفظ النادر إذا جاء في غير موضعه قد يجعل الكلام أقل وضوحًا. ولذلك يقرر:


«“multo satius est volgaribus et usitatis quam remotis et requisitis uti, si parum significet.”»

ومعناه:

««من الأفضل بكثير استعمال الكلمات الشائعة والمألوفة بدل الكلمات البعيدة والنادرة، إذا كانت تلك الكلمات النادرة لا تؤدي المعنى بوضوح.»» ⁶.  إذن نحن أمام موقف أكثر تعقيدًا من مجرد «إحياء الكلمات القديمة»، إنها محاولة للجمع بين ثراء اللغة القديمة ووضوح التعبير.


لكن لماذا عاد فرونتو إلى اللاتينية القديمة؟

لفهم فرونتو يجب أن نفهم الوضع الثقافي للقرن 2 الميلادي، حيث كانت اللاتينية قد قطعت شوطًا طويلًا منذ عصر الجمهورية، وأصبح الأدباء يمتلكون تراثًا هائلًا من النصوص السابقة، وفي الوقت نفسه ظهرت اتجاهات أدبية تعطي قيمة كبيرة للغة القديمة، باعتبارها أكثر أصالة ووقارًا.   يسمي علماء اللغة هذا الاتجاه اليوم Archaism  النزعة الإحيائية أو الأثرية اللغوية. والـ archaism هو استعمال ألفاظ أو صيغ أصبحت قديمة أو آيلة إلى الزوال، بصورة مقصودة لإحداث تأثير أدبي معين. وتوضح Oxford Classical Dictionary أن هذه النزعة كانت تمنح الكلام أحيانًا طابعًا من الجلال والوقار، وأن فرونتو كان من أبرز ممثليها في القرن 2م.⁷


لكن فرونتو لم يكن مجرد مقلد للقدماء، فقد كان يريد استخدام الماضي لصناعة أسلوب معاصر. وهذا هو الجانب المثير في مشروعه.


_____ما ببين فرونتو وشيشرون،. بين الإعجاب والانتقاد.

قد يبدو غريبًا أن ينتقد فرونتو شيشرون، وهو الرجل الذي أصبح في الذاكرة النموذج الأكبر للفصاحة اللاتينية، لكن فرونتو كان يقدر شيشرون كثيرًا، وخصوصًا رسائله، مع أنه كان يرى أن شيشرون في خطاباته لم يبحث دائمًا بما يكفي عن الكلمات المفاجئة والنادرة.

يقول فرونتو عن هذا النوع من الألفاظ:


«“insperata atque inopinata verba”»

وكان يرى أن الخطيب يستطيع، من خلال البحث في الأدب القديم، العثور على تعبير أكثر قوة من التعبير المعتاد.⁸


إذن لم يكن هدف فرونتو تحطيم تقليد شيشرون، بل دفع البلاغة اللاتينية إلى مزيد من العناية باللفظ. وهنا نصل إلى جوهر فلسفته الأدبية: المعنى وحده لا يكفي، فإن طريقة صياغة المعنى جزء من قوته.


_____الكلمة والترتيب والإيقاع.

لم يكن اهتمام فرونتو بالمفردات فقط، إذ كان يرى أن الكلمة لا تكتسب قيمتها منفردة، بل من مكانها داخل الجملة، ولهذا اهتم بـ:


اختيار الكلمات — ترتيب الكلمات — الإيقاع — التوازي — الصور البلاغية — الجمل الحكيمة (sententiae) — والوصف التصويري. وتلخص Oxford Classical Dictionary هذه النظرية بالقول إن فرونتو كان يرى على الخطيب أن يبحث عن الكلمة الأكثر تعبيرًا، وأن يضع الكلمات في أفضل ترتيب، وأن يعتني بالأشكال البلاغية وبالجملة الحكيمة والوصف التصويري.⁹ وهذا يجعل أسلوبه أقرب إلى هندسة العبارة منه إلى الكلام العفوي فالجملة عنده ينبغي أن تبدو وكأن كل كلمة فيها وُضعت في مكانها بعد بحث.


____معركته مع سينيكا


تكشف لنا رسائله بوضوح طبيعة ذوقه الأدبي. كان فرونتو شديد الانتقاد لأسلوب سينيكا، الذي رأى فيه ميلًا إلى تكرار الفكرة نفسها في صور متعددة. وفي إحدى هجوماته الساخرة على سينيكا يقول:


«“Etiam lamminae interdum argentiolae in cloacis inveniuntur: eane re cloacas purgandas redimemus?”»

أي:

««حتى القطع الصغيرة من الفضة قد توجد أحيانًا في المجاري.. فهل نستأجر لذلك لتنظيف المجاري؟»» ¹⁰


اففرونتو يعترف ضمنيًا بأنك قد تجد عند سينيكا عبارة جميلة أو فكرة جيدة، لكنه يرفض أن يعتبر ذلك كافيًا للحكم على الأسلوب كله. والمقارنة تكشف لنا ذوق فرونتو: لا يريد للبلاغة أن تتحول إلى استعراض لفظي منفصل عن جودة الفكرة والتركيب.


_____فرونتو والإمبراطور اركوس أوريليوس

ربما كان أكبر دليل على مكانة فرونتو أنه أصبح أستاذًا لماركوس أوريليوس، الإمبراطور الذي سيعرف لاحقًا بوصفه أحد أشهر الفلاسفة الرواقيين. في سنة 138م تقريبًا، تولى فرونتو تعليم ماركوس البلاغة، وكان الأخير في الثامنة عشرة من عمره.¹¹ وقد تركت هذه العلاقة أثرًا كبيرًا في مراسلاتهما.. لكن المفارقة أن التلميذ الذي تلقى تدريبًا بلاغيًا مكثفًا من فرونتو انتهى لاحقًا إلى تفضيل أسلوب أكثر بساطة، متأثرًا بالفلسفة الرواقية. ويذكر ماركوس في التأملات أن روستيكوس علمه أن يتجنب «الخطابة والشعر والأسلوب المزخرف» وأن يكتب الرسائل بأسلوب بسيط.¹²


وهذا لم يقلل من أهمية فرونتو.. بل على العكس، يكشف مقدار حضور البلاغة في التعليم النخبوي الروماني، ثم يكشف أيضًا عن الصراع الثقافي بين الخطابة والبلاغة من جهة، والفلسفة والبساطة من جهة أخرى.


لذلك، فإن أهميته فرونتو تكنن في أنه ساهم في تشكيل كيفية استعمال اللاتينية الأدبية في القرن 2 الميلادي.


سيرتا التي أنجبت واحدًا من كبار خطباء روما، وهو مُحيي اللغة اللاتينية بعد اضمحلالها. وتكتسب قصة فرونتو بعدًا آخر عندما نتذكر مكان مولده، فالرجل الذي أصبح معلمًا للإمبراطور ماركوس أوريليوس، وقنصلًا في روما، وأحد أشهر خطبائها، خرج من سيرتا في نوميديا، فهو أمازيغي أبا عن جد. وقد أكد البحث الحديث أصله السيرتي بصورة واضحة، فـ Oxford Classical Dictionary يذكر أنه ولد في Cirta، أي قسنطينة الحالية، وأنه انتقل إلى روما حيث أكمل تعليمه وصعد في الحياة السياسية والقضائية.¹³

كما تصفه الدراسات الحديثة بأنه من أهم الخطباء اللاتينيين في القرن 2م، مع التنبيه إلى أن شهرته القديمة كانت أكبر بكثير من حجم النصوص التي وصلت إلينا اليوم.¹⁴ وهذا أمر مهم جدًا، فنحن لا نملك خطبه الكبرى كاملة، معظم ما بقي لنا هو مراسلاته، وهي التي سمحت للباحثين بإعادة بناء أفكاره حول اللغة والبلاغة.

وقد بقيت من مراسلاته نحو مائتي رسالة أو جزء من رسالة، تتضمن مراسلات مع ماركوس أوريليوس، ولوقيوس فيروس، وأنطونينوس بيوس، وأصدقائه ومعارفه.¹⁵


_____ لم تنته أهمية فرونتو بموته.

فالأسلوب الذي ارتبط به أصبح لاحقًا موضوعًا للتقليد، حتى إن سيدونيوس أبوليناريس، الكاتب الغالي في القرن 5م، استخدم مصطلح Frontoniani للإشارة إلى خطباء يسيرون على طريقة فرونتو.¹⁶ وهذا يعني أن فرونتو لم يكن مجرد خطيب ناجح في عصره.


_____ أصبح اسمًا يدل على اتجاه أدبي.

وكان هذا الاتجاه يقوم على العناية الشديدة بالكلمة، والعودة إلى اللاتينية القديمة، والبحث عن التعبير المميز، مع الاهتمام بالإيقاع والصور البلاغية.


_____تاريخ الأدب اللاتيني لا يمكن اختزاله في روما وإيطاليا.

ففي شمال إفريقيا وحدها ظهر عدد كبير من الكتاب والمثقفين الذين أصبحوا جزءًا أساسيًا من الثقافة اللاتينية، ومنهم أبوليوس (أفولاي) المادوري، وترتليانوس، ثم لاحقًا أوغسطين. أماوفرونتو فهو يمثل مرحلة مبكرة ومهمة في هذا الحضور الإفريقي النوميدي. 


---


الهوامش والمراجع:


1. Leofranc Holford-Strevens, “Cornelius Fronto, Marcus, c. 95–c. 166 CE,” Oxford Classical Dictionary, Oxford University Press. يذكر المصدر مولده في Cirta، وتعليمه في روما، ومناصبه السياسية ودوره في تعليم ماركوس أوريليوس ولوقيوس فيروس.


2. Panegyrici Latini 8 (5).14.2، كما يورده Oxford Classical Dictionary في مدخل فرونتو.


3. Holford-Strevens، المرجع نفسه؛ حول نظرية فرونتو في اختيار الكلمات وترتيبها والأشكال البلاغية.


4. حول اختياره كاتو وبلاوتوس وإنيوس وسالوستيوس بوصفهم نماذج لغوية وأدبية، انظر: Holford-Strevens، Oxford Classical Dictionary.


5. Fronto, Epistulae, الكتاب الأول، في حديثه عن insperata atque inopinata verba. النص اللاتيني محفوظ في تقليد Correspondence of Marcus Cornelius Fronto.


6. Fronto, Epistulae, الموضع نفسه؛ وقد نقل النص اللاتيني الكامل الذي يشرح فيه فرونتو الفرق بين اللفظ النادر واللفظ المألوف.


7. Leofranc Holford-Strevens, “archaism in Latin,” Oxford Classical Dictionary. يعرّف النزعة الإحيائية اللاتينية ويفرد فرونتو ضمن أبرز ممثليها.


8. Holford-Strevens، “Cornelius Fronto.” يناقش انتقاد فرونتو لشيشرون بسبب قلة استعمال الكلمات غير المتوقعة.


9. المرجع نفسه، حول نظرية فرونتو في اختيار الكلمات وترتيبها والأشكال البلاغية وsententiae وεἰκών.


10. Fronto, De orationibus, 3–4؛ النص محفوظ في Correspondence of Marcus Cornelius Fronto. انظر أيضًا المناقشة الأكاديمية الحديثة في Leonardo Costantini, “Philosophy and Platonism in Fronto’s Correspondence,” Bulletin of the Institute of Classical Studies 66.1 (2023), pp. 23–31.


11. Costantini، المرجع نفسه، حول تعيين فرونتو مدرسًا لماركوس أوريليوس سنة 138م تقريبًا وعمر ماركوس حينها.


12. Marcus Aurelius, Meditationes، كما يناقشها Costantini في سياق التحول من البلاغة إلى الأسلوب الفلسفي البسيط.


13. Holford-Strevens، Oxford Classical Dictionary.


14. Caillan Davenport, “Marcus Cornelius Fronto,” Oxford Bibliographies in Classics, Oxford University Press؛ يصف فرونتو بأنه خطيب ومحام بارز في العصر الأنطوني، ومدرس للبلاغة اللاتينية لماركوس أوريليوس ولوقيوس فيروس.


15. Davenport، المرجع نفسه؛ حول اكتشاف المخطوط ومحتوى المراسلات وبقاء نحو مائتي رسالة أو جزء منها.


16. Leofranc Holford-Strevens, “Frontoniani,” Oxford Classical Dictionary؛ يوضح أن سيدونيوس أبوليناريس استعمل تسمية Frontoniani للخطباء الذين اتبعوا أسلوب فرونتو الإحيائي.


مراجع أساسية للبحث المتخصص


- Edward Champlin, Fronto and Antonine Rome, Harvard University Press, 1980. وهو من الدراسات الأساسية في حياة فرونتو ومكانته الأدبية والسياسية.

- Leofranc Holford-Strevens, Aulus Gellius: An Antonine Scholar and his Achievement, Oxford University Press, 2003، ولا سيما الفصل المتعلق بفرونتو وعلاقته بالوسط الأدبي الأنطوني.

- Pascale Fleury, “Fronto and His Circle,” in The Oxford Handbook to the Second Sophistic, Oxford University Press, 2017.

- Leonardo Costantini, “Philosophy and Platonism in Fronto’s Correspondence,” Bulletin of the Institute of Classical Studies 66.1 (2023), 23–31.


#عمادالدين_زناف #استرجع_تراثك #الجزائر #نوميديا #المغرب_الأوسط

تعليقات