سـَـامِحِيـنِي يـَا حَمَامَةَ النَّـافِذَة

 

 
سَامِحِيني يَا حَمَامَة النّافِذَة.

بَعْدَ هذا الكَمِّ المُعْتَبَرِ مِنَ المُؤَلَّفاتِ… وبَعْدَ هذا البَونُ الطَّويلِ مَعَ الذّاتِ، وبَعْدَ ما حَدَثَ لي وما تَسَبَّبَ فيهِ مِن خَيْباتٍ… هل حانَ الوَقْتُ كَي أَغوصَ أخيرًا في بَحرِ الظُّلُماتِ.. كيف أكتبُ أخيرًا عنِ الهُمومِ والمُطَبّاتِ… عن تلكَ الأشياءِ التي كانت تُساءِلُني وتَتساءلُ عنّي وأنَا لا أسمع: كيف حالُكَ؟ كيف حالُ مَن تُحِبّ؟ هل سألتَ عنهم؟ كيف تركتَهُم؟ هل ما زلتَ تُكابِرُ عنِ السُّؤال؟ هل ما زالت تَعنيكَ صورتُكَ وهالتُكَ إذا ما سألتَ بحرصٍ وأجابوا ببرودةٍ؟ أَما زلتَ بهذه السَّطحيّة أم نضجتَ أخيرًا؟ ما أخبارُ ذلكَ الذي يَنبِضُ؟ لماذا جعلتَهُ مُضَخَّةً لِلدَّمِ، وقد خَلَقَهُ اللهُ ليكونَ رَمزيّةً لِضَخِّ ما هو أرقى؟ -تعِبتُ مِن نفسي، تعِبتُ مِن هذهِ الشِّدَّةِ، وهذا التَّعالي على حالي، وعلى ما أشعرُ بهِ مِن عواطفَ تجاهَ كُلِّ شيءٍ. تعِبتُ وهُزِمتُ أخيرًا، وأنا سعيدٌ بهذهِ الهزيمةِ، لأنّني أستحقُّها كما كنتُ أستحقُّ ذلكَ الزَّهْوَ في ساعاتِ الرَّخاءِ. أخيرًا أستطيعُ القولَ إنّني حزينٌ جدًّا دونَ خَجَلٍ؛ لأنّني لم أعد أهتمّ… لم أعد أهتمّ منذُ أن ماتت حمامةُ النّافذةِ. هذه قصّتُها أقصُّها دونَ أيِّ شجاعةٍ تُذكَر: لقد كانت هذه الحمامةُ تكتفي بفتاتِ الخبزِ، لا تطلبُ أكثرَ من ذلك، ومع ذلك توقّفتُ عن تفتيتِهِ وتقديمِهِ لها "لكي تتحرّرَ منّي"، ثمّ ماتت. هذا كلُّ ما يجبُ معرفتُه لمن يستعجلُ النهايات -كما كنتُ. في ذلكَ الفُتاتِ كان يوجدُ الكثيرُ مِن: «كيف حالُكَ؟ ما أخبارُكَ؟ كيف صارتِ الأمورُ منذُ آخرِ لقاء؟ كيف حالُ اليماماتِ عندكم؟ كيف حالُ الطَّوق؟ ماذا فعلَ القُمريُّ الصغير؟» تساؤلاتٌ مبعثرةٌ على سطحِ النافذةِ، تُجيبُ عنها الحمامةُ نقرةً بنقرةٍ. يسألني أنا الذي في الأعلى: كُلُّ هذا في فتاتِ الخبز؟ نعم، يُجيبُ أنا الذي يبكي في الأسفل: كُلُّ هذا في فتاتِ الخبز. الآنَ فقط صِرتُ أعرفُ ذلك، بعدما رأيتُ تلكَ الحمامةَ مُتجمِّدةً؛ ظوافرُها مُنكمِشةٌ، أجنحتُها تحتضنُ جسدَها وتغطّيه، عيناها مُغمضتان، مُلقاةً في رُكنِ الشارع، على طرفٍ مُهمَلٍ، لم تَلحظها القططُ؛ فقد صارت هي الأخرى تسكنُ في عتباتِ البشر، تأكلُ من اهتمامِهم، ثم تسقطُ واحدةً بعدَ الأخرى بعدَ كلِّ محاولةِ تدريبِها على التحرّر. هل رأيتَ الآنَ قيمةَ الفُتات؟ لقد رأيتُه بعدَ أن عادَ الفتاتُ بلا قيمةٍ الآن. يا لِلْحُزن… وأنا أقفُ أمامَها أتساءل: كيف أوقِظُ هذهِ الحمامةَ الآن؟ وما زلتُ أنظرُ يمينًا وشمالًا ألّا يلمحني أحدٌ وأنا أبكي، وما زلتُ لا أفهمُ أنّ الأمرَ لم يَعُد مهمًّا. الجميعُ ينظرُ إليَّ باستنكارٍ: انظروا إليه مليًّا، هذا الذي كان يُطعِمُ تلكَ الحمامة، وهذا الذي توقّفَ عن فعلِ ذلك؛ أغرقوه الآن بالتشفّي، وحاولوا قتلَه به. لقد اعتادت أن يُطعِمَها حتى ظنَّت أنّ لا سبيلَ للفتاتِ في العالمِ إلّا مِن نافذتِهِ، ثم توقّف… فتوقّفت عن الحياة، بكلِّ تراجيديا، فاجعلوه نكالًا، حتى لا نختليَ بأنفسِنا ونتذكّرَ أنّنا مثلُه تمامًا. -إذا كنتَ طيّبًا فكنْ كذلك، ولا تتقمّصْ دورًا لا يليقُ بكَ ولا تُحسِنُه. أتحسبُ أنّ القلبَ القاسيَ قرارٌ تتّخذه؟ هذا ما اعتقدتُه. كنتُ كغيري، مِن هؤلاء المُعجَبينَ بأنفسِهم، المُختالينَ الفخورين؛ إذا قرّرتُ التوقّفَ عن الاهتمامِ سيتوقّفُ اهتمامي، ولن أشعرَ بشيءٍ حيالَ ما كنتُ أهتمُّ به. كنتُ كغيري أعتقدُ أنّني سيّدُ قراري، فيا لِلْحُزن… -اخترتُ لنفسي طريقًا لم تتبعني فيه جوارحي، التي ما زالت تتمسّكُ بكلِّ الأشخاصِ والأماكنِ التي مرّت عليها، أتذكّرُ تفاصيلَ عن حياةِ أناسٍ لا تعني حتى أصحابَها، على الهامشِ تمامًا. -كنتُ أجرُّ مشاعري جرًّا إلى مكانٍ باردٍ، كمن يسحبُ طفلًا يافعًا إلى مكاتبِ السّادةِ أصحابِ البذلاتِ والموضوعاتِ الجادّة… كلّما تكلّمَ الطفلُ تمَّ تثبيطُه: «اسكت»، «هنا لا مكانَ إلّا للأمورِ المهمّة، ستفهمُ هذا لاحقًا». لم يكن الطفلُ يسكتُ عن قناعةٍ، بل عن خوفٍ، على أملٍ أنّه سيتكلّمُ وسيلعبُ بعد قليل، وسيجري دون توقّفٍ بعد برهة… لكنّ البقاءَ في ذلك المكانِ الباردِ المُنغلقِ طال، وطال انتظارُ هذا الطفلِ حتى شحبَ وجهُه وذبل، لأنّ الأطفالَ لا يكبرونَ أبدًا، إنّما يشيخونَ وهم صغار. -يا لِلْحُزن… شعرتُ بهذا بعد فواتِ الأوان؛ لأنّني، كغيري مِن هؤلاء المُعجبينَ بأنفسهم، كنتُ أعرفُ كلَّ شيءٍ في مكاني المُرتفع، كنتُ دائمًا أقول إنّني أعرفُ هذا، ولم أكذب، لكنّها معرفةٌ ضحلة… إذ لم أعرفْ أيضًا أنّ الشُّعورَ به أعمقُ مِن معرفتِه، وأنّ الإحساسَ به بعد فواتِ الأوان ألمٌ لا تُعالِجُه المعارف. عرفتُ هذا بعدَ أن تماديتُ كثيرًا في استفزازِ نفسي. -اليوم، صِرتُ ألاحقُ الحمامَ في كلِّ مكانٍ: خُذي فُتاتي، ولا تعتقدي أنّني سأتوقّفُ عن دَرْسِ هذا الخبزِ أبدًا! وها هي تتجمّعُ عليه وتأكلُه، ومن شدّةِ الزَّهْوِ تُغنّي، ومن الإقبالِ على الحياةِ يبحثُ الذَّكرُ فيها عن أُنثاه؛ وسط ذلك التجمّع ينفخُ صدرَه ويرقصُ لها وهو يلفُّ حولَ نفسه… فيتركانِ ما تبقّى من فتاتٍ ويذهبان بعيدًا، ففي نهايةِ المطاف.. لم يكنِ الفتاتُ سوى مكانِ تجمّعٍ تُبعثُ منه الحياة. لذلك تعلّمتُ أن أكونَ سببًا في استمرارِها، وألّا أكونَ أبدًا سببًا في استفزازِها ولا إنهائِها.

#عمادالدين_زناف

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مذكرة الموت Death Note