بالَنْـتير والذكاء الرقابي.. عالم لا يمكن تفاديه

 


بالانتير Palantir، الذكاء الاصطناعي وصعود نظرية «التنوير المظلم»


____ مقال عماد الدين زناف 


لم تعد موازين القوة في القرن الحادي والعشرين ترتبط إلا بالبيانات، فهي المورد الأكثر تأثيرًا، وأصبحت القدرة على معالجتها وفهمها مفتاحًا للهيمنة الشاملة منذ عقد وزيادة. فالدولة أو المؤسسة التي تستطيع قراءة فوضى العالم والتنبؤ بحركته تملك أفضلية استراتيجية قد تتجاوز القوة العسكرية التقليدية.

في وسط هذا التحول، ظهرت بنية جديدة للنفوذ تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة تقودها شركات تقنية بات تأثيرها يمتد إلى مجالات كانت حكرًا على الحكومات فقط.. اليوم، شركة واحدة استطاعت أن تلف حول الأرض وتحكم قبضتها على مخارج معلوماته.


أما فكرة الانفصال الكامل عن هذا الواقع الرقمي، فهي بعيدة عن التطبيق وفات أوانها كثيرًا. لقد أصبحت التكنولوجيا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، ولذلك سأطرح فكرة مختلفة..

علنيا التعايش مع المنظومة مع السعي إلى فهمها ثم التقليل نت تأثيرها كلما أمكن.


بالانتير palantir... العين التي تجمع الخيوط، أو أطراف الأخطبوط التي تعود لعقل واحد.

استوحت شركة «بالانتير تكنولوجيز» اسمها من أحجار الرؤية في رواية "سيد الخواتم". فقد تأسست بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بمشاركة بيتر ثيل وبدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى أحد أبرز مزودي حلول تحليل البيانات للأجهزة الأمنية والعسكرية الأمريكية. تعتمد برامج الشركة، مثل Gotham وFoundry، على جمع كميات هائلة من البيانات القادمة من مصادر مختلفة، ثم تعمب على ربطها داخل نماذج تحليلية تساعد على كشف العلاقات والأنماط، واتخاذ القرارات بأسرع وأذطى طريقة، ما توفره تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الحديثة.


 عملت الو.م.أ على تعزيز مكانتها العالمية عبر الاستثمار في هذا النوع من التكنولوجيا، وتوسعت أنظمة المراقبة الرقمية بصورة غير مسبوقة، وأصبح النشاط اليومي للأفراد يترك آثارًا رقمية يمكن تحليلها وربطها بسلوكهم وتوقعاتهم المستقبلية، لكنها ليست الوحدية، وربما طريقتها أقل شمولية من الطريقة الصينية في مراقبة كل شيء.


فما علاقة الذكاء الاصطناعي و نظرية «التنوير المظلم»؟

أدى التطور السريع في الذكاء الاصطناعي التوليدي والتنبؤي إلى ظهور نقاشات فلسفية وسياسية واسعة.. ومن بين المفاهيم التي برزت ما يعرف بـ «التنوير المظلم» (Dark Enlightenment)، اي الضوء الذي ينير القوى المتحكمة ويظلم على من يرفضون التعامل معها. فهو تيار فكري ارتبط ببعض الشخصيات والدوائر الفكرية في وادي السيليكون ( صناع ما نستعمله يومايا: جووجل، فيسبوك، إكس، مايكروسوفت..) إذ ينتقد أنصار هذا التيار الديمقراطية الليبرالية ويعتبرون أن الإدارة التقنية والخوارزميات قد تكون أكثر كفاءة في اتخاذ القرار... ويرى منتقدو هذا التصور أنه قد يؤدي إلى تركيز السلطة في أيدي نخبة تقنية تمتلك البيانات وأدوات تحليلها وتعمل على استغلالها بأساليب عبثية. وكما نشهد: إزداد حضور الذكاء الاصطناعي في القرارات اليومية التي نتخذها، سواء في منح القروض، أو تقييم المخاطر، أو ترتيب المعلومات التي تصل إلى المستخدمين،ما يعضنا أمام نتيجة لا مفر منها.


هو عالم جديد بلا أسوار.

تبدو منظومة السيطرة الحديثة أقل صخبًا من النماذج التقليدية، لكنها أكثر انتشارًا. فالهواتف الذكية، والمنصات الرقمية، والأجهزة المتصلة بالإنترنت، تجمع باستمرار بيانات عن عادات المستخدمين واهتماماتهم. فكل عملية بحث، وكل مشاهدة لمقطع فيديو، وكل عملية شراء، تتحول إلى معلومة جديدة داخل قواعد البيانات، ثم تدخل في نماذج تحليلية تساعد على فهم السلوك الإنساني والتنبؤ به.. وتعمل على صناعة ملذات وميول وشهوات جديدة تطرحها له، فيتلقفها معتقدا أنها تنبع من رغباته الباطنية... وما هي إلا هجين مُصنّع. 


ولهذا.. اقترح المرتعبون من هذا العالم أسلوب لانعزال الكامل عن هذا العالم.. لكننه أصبح خيارًا صعبًا، وهو يصعب يوما بعد يوم، خاصة مع الانتشار الواسع للأقمار الصناعية وشبكات الاتصال والبنية الرقمية العالمية.. وأن كل شيء أصبح يخزن عن طريق مصفوفة أرقام بين 0 و 1.


كيف يمكن التعامل مع هذه المنظومة؟

إن المواجهة المباشرة مع المنظومات الرقمية لن تحقق نتائج كبيرة، إذ أقترح التركيز على فهم آليات عملها أولًا، وهذا بالخوض فيها تماما.


ومن الأفكار التي أطرحها في هذا الإطار:

- التشويش على البيانات قدر الإمكان!

 تقليل دقة الملفات الشخصية الرقمية عبر تنويع الاهتمامات وعدم ترك نمط سلوكي ثابت يسهل التنبؤ به.

- اكتساب المعرفة التقنية!

 تشجيع دراسة علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لأن فهم التكنولوجيا يمنح قدرة أكبر على تقييمها ونقدها والمشاركة في تطويرها.

- الاندماج الواعي والمتشبع بالإدراك. المسؤولية! 

أي استخدام الأدوات الرقمية مع الاحتفاظ بعقلية نقدية، وعدم التسليم بكل ما تنتجه الخوارزميات أو تعرضه المنصات.

- تعزيز الروابط الوطنية!

ونذا ببناء شبكات اجتماعية حقيقية داخل المجتمع، بحيث تبقى العلاقات الإنسانية قائمة خارج المنصات الرقمية، مع توظيف التكنولوجيا لخدمة احتياجات الناس بدل أن تتحول إلى وسيلة تتحكم فيهم.


إن صعود شركات مثل بالانتير، وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، والنقاشات المرتبطة بفكرة «التنوير المظلم»، كلها مؤشرات على تغير عميق في شكل القوة العالمية وجب التعامل معه، مثل ماء النهر الذي يمر بين الصخور بمرونة... وكلما ازدادت قدرة الإنسان على التفكير المستقل، ومراجعة المعلومات، وعدم التحول إلى نموذج يمكن التنبؤ به بسهولة، ازدادت قدرته على الحفاظ على مساحة من الحرية داخل عالم يزداد ترابطًا وتعقيدًا.. كله دون الخروج تماما من هذه اللعبة كل لا تموت اجتماعيا وبشكل مبكر جدا.


#عمادالدين_زناف

تعليقات