«عليكم أن تحموا الأقوياء من بطش الضعفاء».

 


يقول نيتشه: «عليكم أن تحموا الأقوياء من بطش الضعفاء».
مقولة كانت ثقيلة على عواطف القُراء البعيدين عن فهم النفس البشرية، والطبيعة الفيزيولوجية، والأسس التي تقوم عليها العلاقات الاجتماعية. هؤلاء الذين اعتادوا، منذ فجر التاريخ، أن يكذب بعضهم على بعض: أنَّ للضعفاء «حقًّا» على «الأقوياء»، والحجة الجامعة بينهم هي أنه: لا يحق للقوي أن يكون قويًّا، بينما يحق للضعيف أن يصبح قويًّا ويأخذ مكان القوي، بكل الوسائل والحِيَل. وإن الوسائل التي يتخذها جمع الضعفاء غالبًا ما تحمل «مصداقية شعبية» تمسح عيوبهم وعيوب أساليبهم، وتسمح لهم بتجاوز كل المحظورات والأخلاقيات -التي يتغنون بها ويجعلونها شعارًا لهم لكسب التعاطفات-. إن ضعيف النفس سيبقى أخلاقيًّا إلى أن يجتمع بضعفاء مثله، فينقلب حالهم من ضعفاء إلى ضِباع تبرر لنفسها التخابر والمكيدة لنهش الأسد النائم، الذي لا ذنب له سوى أن الله خلقه أسدًا.
لماذا اقتحمت موضوع كرة القدم بهذه المقدمة العنيفة، التي تطفو فيها عبارات قاسية على «المساكين»، الذين ليس لهم «سوى بعضهم البعض»، بينما لا يمشي الأقوياء إلا «فرادى»؟
منذ سنوات ونحن نلحظ سيطرة بعض الذين نصبوا أنفسهم أخيارًا، وليس لهم في ذلك حجة سوى أنهم لا يملكون مخالب «أي لا يملكون السلطة»، والحقيقة أن سلطة الرأي العام تملك مخالب وأنيابًا طوالًا. ولأن كرة القدم واقع اجتماعي لا مفر منه، فإنها قد جمعت كل النبلاء والفاسدين، وجمعت فيها كل أخلاق السامين والراقين، وكذا العبيد والحقراء.
لقد لاحظتم، كما لاحظت، كيف استخدمت جماهير العالم، طوال فترة المونديال، لاعبين بلا قيمة كروية على الإطلاق، إلا بضع دقائق من الحظ، وبضعة تدخلات، وجرأة واستئساد لا يتعدى اللعب الخشن أو هرولة غير عاقلة على مرمى الخصم، لا يقودها العقل أكثر من هرمون الكورتيزول.. دقائق لن يعيدها الزمن إلى يوم يبعثون، وكيف جعل «اتحاد الزواولة العالمي» من تلك الدقائق ذريعة لضرب من أثبتوا قيمتهم الثابتة لسنوات طويلة. لقد رأينا كيف جعلوا من مجاهيل أساطيرَ في مواقع التواصل؛ فمنهم حارس على مشارف التقاعد، لم يصبح إلا ومتابعوه يتخطون العشرين مليونًا، وحجتهم جميعًا أنه «مسكين!»، ولاعب آخر جُعل بطلًا لبلاده، بينما لم يجاوز منتخبه دور الـ16 والـ8! ومدربون ابتسمت لهم حظوظ المواجهات، فجعلت منهم رؤوسًا تقارع الأقرع والأصلع!
بينما نراهم يصبون جام غضبهم واتهاماتهم على منتخبات ولاعبين يعلمون، ونعلم، أنهم هم الأقوى والأفضل، والأولى بالثناء والرِّفعة!
لقد مللنا، وبلغت حالة الاشمئزاز أشدها، من تكاثر هؤلاء الذين يدعمون ويهللون ويبالغون في إطراء هؤلاء الذين لا أحقية لهم في مجالاتهم سوى أنهم «مساكين وجب أن ندعمهم»، بينما ذهبت كل التقييمات المحايدة في مهب الريح. وإنني أعلم، كما تعلمون، أن هؤلاء «الأبطال الضعفاء» لا يمثلون لـ«اتحاد الزواولة الدولي» سوى «أمل» في أن تبتسم لهم الحياة، وتعطيهم شيئًا من حظ هؤلاء.. وهو اعتراف ضمني من الناس، وهم يبالغون في «الإحسان إليهم»، بأنها «فرصة» أتت ولن تعود.. بينما للأقوياء «عمل وقوة وثبات» لا يحتاج إلى «هبات دعم».
ونحن نعلم أن لو ابتسم الحظ مرة ثانية وثالثة لذلك الضعيف، الذي جعلوا منه قوي زمانه، فإنهم سيبحثون عمن هو أضعف منه لتلميعه، ولمحاربة ذلك «الضعيف سابقًا»؛ لأنه لم يعد «زاوليًا يمثل أملهم في حظ ما»، بل أصبح مع زمرة الأقوياء الذين وجب تدميرهم.
عليكم حماية إيميليانو مارتيناز، حارس الأرجنتين، من محبي حارس منتخب الرأس الأخضر.
 

تعليقات