عكس الجزائر، لم تعرف تونس ولا المغرب الأقصى مؤسسًا فعليًا لدولتيهما، لأن حدود الدولتين وثقافتهما الشعبية لم تعرفا أصلًا صريحًا لشخصية متفق عليها، منبثقة من شعبيهما. وبالتالي، لم تعرفا حتى مؤسسًا ميثولوجيًا (أسطورةً شعبيةً) لبلديهما، وإن ادّعى البعض أن «أطلس» هو المؤسس، لكنها تبقى مجرد مزاعم لم يأخذ بها حتى المؤرخون المهتمون بالميثولوجيا. فالتاريخ ينقل إلينا شذرات متفرقة عن البلدين، بتواريخ منقطعة لا تعرف اتصالًا بين حكم وآخر، ولا بين فترة وأخرى. فموريطانيا الطنجية كيان منقطع بلا أصل سياسي متصل، ولا علاقة لها بيوبا الثاني النوميدي الذي أدمجها مع دولته الأم في شرشال. كما أنه لم تقم في المغرب الأقصى دولة أو مملكة محلية متصلة بين القرن الثاني والقرن السابع الميلادي، خلافًا للجزائر، ولم يكن هناك تواصل بين أسرة حاكمة وأخرى.
فالمغرب الأقصى لا يرى مؤسسًا له سوى رجل مشرقي هو إدريس الأول، وهو نتاج صناعة تاريخية بمساعدة خارجية. أما بوغود فلا يُعرف له أصل واضح، وإن كان سالوست قد ربطه بجالية هندية جاء بها هرقل. ولا تُعرف لتونس شخصية مؤسسة، لأن الفينيقيين قدموا من لبنان، أما حكام قرطاجة فكانوا جنرالات عسكريين تعود أصولهم إلى مناطق مختلفة بين ليبيا وصور اللبنانية. وأما ما قبل ذلك، فهي فترة يصفها المؤرخون بأنها تعود إلى سلالة ليبية-نوميدية تمتد بين هيارباس الأول وملوك من شرق الجزائر، دون أن تبرز فيها شخصية مؤسسة واضحة. أما في بقية الفترات، فهي عبارة عن احتلالات أو سلالات متعاقبة، جاءت من هنا وهناك ثم انقضت، واستمر حكمها بين قرنين وأربعة قرون، بحدود ورايات كانت تتغير باستمرار.
ففي تونس، لا يمكن اعتبار إبراهيم بن الأغلب مؤسسًا، لأنه مشرقي تابع للدولة العباسية، ولا عبد الله الشيعي الفاطمي، ولا باديس بن المنصور الزيري، ولا أبو زكريا الحفصي، ولا حيدر باشا؛ فجميعهم قدموا من خارج رقعة تونس، ولا علاقة لهم بمكوّن الشعب التونسي، أيًا كان تعريفه. وكذلك المغرب الأقصى؛ فسلالات باغا وبوغود وبوخوس غير معلومة الأصل، ولا يظهر لها أثر إلا في صفحات المؤرخين الرومان، إما كحلفاء لنوميديا، خاصة في عهد ماسينيسا، أو كعملاء لروما. كما لا يمكن اعتماد إدريس الأول، ولا زيري بن عطية المغراوي، ولا بوقرة اليفرني، ولا يوسف بن تاشفين، ولا عبد المؤمن بن علي، ولا أبو يوسف يعقوب المريني، ولا محمد الشيخ السعدي، ولا الرشيد العلوي؛ فجميعهم قدموا من خارج رقعة المغرب الأقصى، ولا علاقة لهم بمكوّن الشعب المغربي، أيًا كان تعريفه.
أما مؤسس الجزائر فهو ماسينيسا، قولًا واحدًا؛ أوراسي المولد والنشأة، لا أوروبي ولا فينيقي ولا آسيوي ولا حبشي. وإن كان سيفاكس قد سبقه في حكم مملكة نوميديا الموحدة، فإن سيفاكس نفسه ينحدر من سيغا، التي لم تكن تابعة لا للشرق ولا للغرب. وقد آلت إليه مملكة ماسيل بعد وفاة غايا، والد ماسينيسا، لفترة قصيرة جدًا، قبل أن يستعيد ماسينيسا مُلك أبيه، ويضم نوميديا الغربية إلى مملكته، فتتشكل الحدود القديمة للجزائر بصورة مبكرة جدًا في التاريخ، ممتدة من وادي ملوية غربًا إلى طبرقة شرقًا، وجنوبًا حتى طرابلس، شاملة المدن المأهولة في بلاد الجيتول.
لم تعرف الجزائر فراغًا سياسيًا بعد سقوط موريطانيا القيصرية، وريثة نوميديا، خلافًا للمغرب الأقصى وتونس؛ إذ ظهرت فيها ممالك أمازيغية قوية، مثل مملكة ألطافا، ومملكة الحضنة، ومملكة الونشريس، وقبائل الحلف الخماسي، ومملكة أريس (الأوراس)، إلى غاية القرن السابع الميلادي. لذلك فإن الجزائر هي الأصل؛ فبعد الإسلام، أدى صراع القبائل الجزائرية، من صنهاجة وزناتة وكتامة وأوربة، إلى نشوء ممالك وإمارات في أراضٍ غربًا وشرقًا، فكان التدافع بين تلك القبائل سببًا في قيام دول لم تكن تحلم بها شعوب الشرق والغرب.
والآن نعرّج إلى قيام الدول الوطنية الحديثة؛ فالذي وضع حجر الأساس لدولتي تونس والمغرب الأقصى هو فرنسا، بشكل مباشر، وكان السبب واحدًا دائمًا: الجزائر. فقد رأت فرنسا أن إنشاء دول مجاورة لها ضرورة لتنظيم مستعمرتها الكبرى وإحكام السيطرة عليها. لذلك وضعت خطة لتنفيذ ذلك، فأرسلت رجلين: الأول جول أميه بريار إلى تونس، ثم كلّفت المارشال هوبير ليوطي بإدارة ما سيُعرف لاحقًا بالمغرب الخاضع للحماية الفرنسية.
تأسيس دولة تونس – معاهدة باردو
في ذلك الوقت، تلقى جول أميه بريار أمرًا بتولي قيادة القوات الفرنسية التي كانت قد نزلت في بنزرت يوم 1 ماي 1881. وبعد وصوله من طولون في 2 ماي، غادر بنزرت متجهًا إلى مدينة تونس العاصمة على رأس قوة قوامها ستة آلاف جندي.
وفي 12 ماي، عند الساعة الرابعة مساءً، وصل بريار إلى قصر الباي، ترافقه كتيبتان من فرسان الهوسار، وكان برفقته كامل هيئة أركانه ومعظم كبار ضباط القوة. وقد أدت القوات التونسية لهم مراسم التحية العسكرية، ثم أُدخلوا إلى القاعة التي كان الباي ينتظرهم فيها محاطًا بوزرائه.
وعند الساعة السابعة مساءً، وُقّعت معاهدة باردو من طرف الباي، والصدر الأعظم مصطفى بن إسماعيل، وجول أميه بريار، وتيودور روستان، القنصل الفرنسي في تونس.
وفي 14 ماي، عاد الجنرال بريار إلى القصر ليبلغ الباي بأن الحكومة الفرنسية وافقت على عدم احتلال كامل رقعته عسكريًا. وتقديرًا له، قلّده الباي الوسام الأكبر لنيشان الافتخار.
المغرب الأقصى قبل تأسيس الدولة الحديثة
معاهدة لالة مغنية (1845)
وُقّعت معاهدة لالة مغنية سنة 1845 بين فرنسا والحاكم العلوي بهدف تحديد الحدود التي أُقرت مبدئيًا في معاهدة طنجة (1844). وقد رُسمت الحدود في الجزء الشمالي، خاصة بمنطقة وجدة، مع اعتماد وادي ملوية معلمًا طبيعيًا يفصل بين المجال المرتبط بالمنطقة الوهرانية ومناطق نفوذ المخزن العلوي، وفقًا لعدد من الدراسات الجغرافية والتاريخية.
أما المناطق الواقعة جنوب فجيج، بما فيها توات وقورارة وتيديكلت، فلم تُحدد حدودها في المعاهدة بسبب غموض وضعها السياسي، وعدم إثبات الحاكم العلوي تبعيتها له، إذ كانت قبائلها ترتبط بولاءات للداي الجزائري قبل الاستعمار.
ويرى عدد من الباحثين أن المعاهدة جاءت كتسوية دبلوماسية بعد هزيمة المخزن في معركة إسلي، وأقرت وضعًا حدوديًا كان متداولًا في الوثائق الأوروبية خلال القرن التاسع عشر.
وادي ملوية حدًا تاريخيًا
تُبرز الدراسات التاريخية والجغرافية أن وادي ملوية كان، بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، معلمًا طبيعيًا وسياسيًا مهمًا يفصل بين المناطق التابعة لبايلك وهران ومجال نفوذ المخزن. كما تشير روايات عدد من الرحالة الأوروبيين إلى أن القصور الصحراوية الواقعة شرق ملوية كانت تتمتع بقدر كبير من التبعية للداي الجزائري، ولم تكن سلطة سلطان المخزن تُمارس فيها إلا بصورة متقطعة.
تأسيس "المملكة المغربية".
في 30 مارس 1912، وُقّعت معاهدة فاس التي فرضت الحماية الفرنسية على المخزن ورعيته، بعدما وقّعها السلطان عبد الحفيظ تحت ضغط عسكري وسياسي. ولم يكن المارشال هوبير ليوطي هو من وقّع المعاهدة، بل عُيّن لاحقًا أول مقيم عام فرنسي، ووصل إلى فاس في 13 ماي 1912 لتنفيذ نظام الحماية.
عمل ليوطي على إنشاء مؤسسات الدولة الحديثة تحت الإشراف الفرنسي، فنُظمت الإدارة، وأُنشئت الوزارات، وأُعيد تنظيم الجيش والشرطة والقضاء، مع الإبقاء على السلطان، الذي لم يكن يتمتع قبل ذلك بمصداقية واسعة، ليصبح رمزًا للشرعية.
كما اعتمدت سلطات الحماية العلم المغربي الأحمر، الذي أُضيفت إليه النجمة الخضراء بظهير سلطاني سنة 1915، بينما استُخدم «النشيد الشريف» نشيدًا رسميًا للدولة منذ عهد الحماية حتى الاستقلال. وخلال فترة الحماية، أُلحقت بالمغرب الأقصى مناطق كانت تديرها فرنسا أو إسبانيا تدريجيًا، مثل المناطق التي كانت ضمن جمهورية الريف بعد إنهائها.
وفي سنة 1956، استعاد المغرب الأقصى إدارة شؤونه من فرنسا، بداية بالمنطقة الخليفية في الشمال والمنطقة الدولية بطنجة، ثم استعاد طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، وبعد ذلك بسط سيطرته مستعمرا معظم الصحراء الغربية سنة 1975، عقب ما عُرف بالمسيرة الخضراء.
تعليقات
إرسال تعليق