بعد ملاسنات طويلة منذ سنوات، قادها اليمينيون، تتهم اليسار المتطرف في الولايات المتحدة بتفضيل الأفارقة عن طريق وضعهم في كل السياقات التاريخية التي لا تعنيهم.. بعد أخذ وعطاء.. قد تكون الأسباب والدوافع في استعمالهم الآن، ليست هي نفسها التي دفعت شركات الأفلام والمسلسلات، ففي البداية، كانَ الهدف هو دفع الشعوب والأقليات إلى الاشتراك أكثر فأكثر في منصات apple و paramount و Netflix عن طريق إدماج أبناء جلدتهم في الأفلام والمسلسلات، الآن، الأمر أصبح عبارة عن "استفزاز"صريح.. فما السر وراء هذا؟
____مقال عماد الدين زناف.
صناعة "الهوس" بالأفارقة AfricoMania:
عندما تؤدي المبالغة في التمثيل إلى نتيجة معاكسة
توجد مفارقة نادرًا ما تُناقش في الجدل الدائر حول التنوع في السينما والمسلسلات. فبعد عقودٍ طويلة عانت فيها بعض الأقليات من التهميش أو الغياب شبه الكامل عن كثير من الإنتاجات الغربية، صاراَ الاتجاه في بعض الأعمال الهامة يضع تلك الأصناف في موضع النجومية في مواضيعَ لا تعنيهم "تاريخيا"، إلى درجة جعلت عددًا من الملاحظين يتحدثون عن "إفراط في التمثيل"، حيث يصبح اختيار بعض الممثلين في نظرهم، أقرب إلى قرارٍ أيديولوجي منه إلى اختيارٍ فني أو تاريخي، وكأن هناك "إلزاميّة" لاقحام نسبة منهم.. لكن هذا لا يشرح الفكرة التي سأناقشها. إذ أطلقت على هذه الظاهرة اسم «الهوس بالأفارقة»، قياسًا على مصطلح شهير وهو الهوس باليهو.د (Judeomania)، الذي يشير إلى انشغال، إبراز، أو افتتان مفرط بجماعة معينة مثل هؤلاء. والمقصود هنا ليس الإعجاب بالأفارقة أو الانتقاص منهم، بل الميل إلى إبرازهم بصورة متكررة في أعمالٍ نرى أن وجودهم فيها لا ينسجم دائمًا مع السياق التاريخي أو الثقافي المطروح. ومن الأمثلة التي يكثر تداولها في هذا النقاش بعض الأعمال المستوحاة من تاريخ الفايكنغ أو الجدل الذي رافق صدور فيللم «الأوديسة»، حيث انصب النقاش على معايير اختيار الممثلين أكثر من انصبابه على قدراتهم الفنية.. فكيف لـ هيلينا أن تكونَ إفريقيّة الملامح، والقصة تدور في اليونان؟
المشكلة ليست في مشاركة الممثلين الأفارقة بحد ذاتها، وإنما تظهر عندما يشعر جزء من الجمهور بأن حضورهم أصبح أولوية "ثابتة" بغض النظر عن متطلبات الحبكة أو الدقة التاريخية.. عندها لا يعود المشاهد يرى شخصيةً درامية، بل يرى رسالةً سياسية.. وكما أشرت، أرى أننا قد جاوزنا تلك المرحلة منذ مدة، ونحن الآن بصدد صناعة شيء آخر أكثر خبثـًا.
سوف نصل إلى ما يمكن تسميته "سياسة صناعة الاستياء العام"، فعندما يعتقد الجمهور أن جماعة معينة تحظى بمعاملة تفضيلية، فإن غضبه لا يتجه دائمًا نحو المنتجين أو شركات الإنتاج التي اتخذت قرارات الاختيار، بل قد يتحول تدريجيًا نحو الممثلين أنفسهم أو نحو الجماعة التي ينتمون إليها بشكل مُباشر، وهكذا ينتقل الاستياء من صانع القرار إلى من يظهر على الشاشة ومنه إلى الشعوب التي ينتمي إليها.
فالسياسة التي يُراد منها تعزيز الشمول قد تؤدي، إذا اعتُبرت مبالغًا فيها، إلى نتائج عكسية بالكامل، وهو مزيد من الرفض، ومزيد من الاستقطاب، ومزيد من التوتر تجاه الفئة التي كان يُفترض أن تستفيد منها.. ومزيد من العنصرية.. فالطرف الذي يُتهم أنه "مفضّل" لن يفهم سياسة التمييز الإيجابي الذي وُضِعَ فيها مرغمًا.. بل سيُقحم نفسه في صراعات مفخّخة.
كما أن "التمييز الإيجابي"، عندما يُطبَّق بصورة واضحة أو يُنظر إليه على أنه تجاوز لمعيار الكفاءة أو الانسجام الفني، سيعزز هذا الشعور حتما. فهدفه الأصلي هو معالجة اختلالات تاريخية، لكن إذا شعر الجمهور بأن الهوية أصبحت أهم من الموهبة أو من احترام السياق التاريخي، فإن شرعيته في نظر كثيرين تتراجع، ويصبح الممثل مهددًا بأن يُنظر إليه بوصفه مستفيدًا من امتياز، لا بوصفه فنانًا نجح بجدارة.. وهذا الأمر سيضع الممثل خارج حسابات التقييم الفني تلقائيا. وهكذا لا تتضرر الأعمال الفنية وحدها، بل يتضرر أيضًا الممثلون والشعوب التي ينتمون إليها، لأن النقاش يتحول من تقييم الأداء والإخراج والسيناريو إلى الجدل حول هوية من يقفون أمام الكاميرا... وعلى نطاق أوسع، قد تسهم هذه الديناميكية في ترسيخ حالة من التوتر المستمر بين الجماعات المختلفة، إذ تتحول كل عملية اختيار ممثلين إلى معركة أيديولوجية قبل أن يشاهد الجمهور العمل نفسه، فالأمر نفسه سيتكرر إذا خاضَ دينزل واشنطن دور حنبعل برقة مستقبلا.
لا يمكن الجزم بالدوافع الحقيقية للمنتجين أو شركات الإنتاج. فقد يكون بعضهم مدفوعًا برغبة صادقة في توسيع دائرة التمثيل، وقد يكون آخرون -وأراهم الأكثرية- يستجيبون لضغوط ثقافية أو اعتبارات تجارية أو مؤسسية لصناعة "استياء من أفرقَة الأفلام".. وهدفهم هو إبعاد هؤلاء بطلب جماهيري لا بقرار ذاتي يضعهم في قصف الاتهام بالعنصرية والتفرقة وما إلى ذلك.
إن المبالغة في أي سياسة تمثيلية قد تُنتج التشبع بدل القبول، وقد تُحوِّل محاولة تصحيح ظلمٍ سابق إلى شعور بوجود ظلمٍ جديد، سواء كان هذا الشعور مبررًا أم لا. وعندما تصبح جماعة معينة الوجه الدائم لهذا الجدل، فإن أفرادها قد يكونون أول من يدفع ثمنه على مستوى الصورة والانطباع العام.. وهذا ما أراه مُخططا له لا أمرا عفويا.
إن الإدماج الحقيقي لا يتحقق بجعل جماعة معينة حاضرة في كل مكان، وإنما يكون بجعل حضورها طبيعيًا ومنسجمًا مع السياق الفني والتاريخي والسياسي والاجتماعي الذي يتماشى معها، بحيث لا تتحول هويتها إلى القضية الأساسية التي يخرج بها المشاهد بعد انتهاء الفيلم.. ويصبح العمل نفسه أمرا ثانويا.. وحتى لو نجح هذا الشيء في إثارة الرأي العام لكسب مزيد من الإشهار للعمل، إلا أن توابع هذه الأشياء لن تكون طيبة على المدى البعيد.
#عمادالدين_زناف

تعليقات
إرسال تعليق