قَتَـلَ ابن خلدون واستعانَ ببني مرين ليَجزَّ رأس والده، قصة السُلطان الزياني الأكثر دَمَويَّة.. .




قَتَـلَ ابن خلدون، كاتبه، واستعانَ ببني مرين ليَجزَّ رأس والده،
قصة السُلطان الزياني الأكثر دَمَويَّة.. أبو تاشفين الثاني.

___لَـما استحكم سلطانُ أبي حمّو موسى الثاني، واستقامت له دولةُ بني عبد الواد بتلمسان، نظر في أمر بنيه وقد كثروا وتشعّبت أهواؤهم، فجعل كبيرهم أبا تاشفين وليَّ عهده، وقرّبه وأشركه في تدبير الملك، ثم قسّم الأعمال على إخوته دفعًا لشرّ المنافسة، فولّى المنتصر مليانة، وأبا زيّان المدية، ويوسف تدلس، وأبعدهم عن مركز السلطان اتقاءً لبوادر الغيرة. غير أن هذه السياسة لم تُطفئ نار التنافس، بل أضمر كلٌّ منهم لصاحبه ما أضمر، وكان أبو تاشفين أشدّهم غيرةً وأسرعهم إلى الظنّ. يقول ابن خلدون "كَانَتْ لِهذَا السُّلْطَانِ أَبِي حَمُّو جَمَاعَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَبِيرُهُمْ وَلِيُّ عَهْدِهِ أَبُو تَاشْفِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَرْبَعَةٌ لأُمِّ وَاحِدَةٍ كَانَ تَزَوَّجَهَا بِمِيلَةَ، مِنْ أَعْمَالِ قُسَنْطِينَةَ، أَيَّامَ جَوْلَتِهِ فِي بِلادِ الْمُوَحِّدِينَ، كَبِيرُهُمُ الْمُنْتَصِرُ ثُمَّ أَبُو زَيَّانَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ عُمَرُ وَيُلَقَّبُ عُمَيْرٌ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ وَلَدٌ كَثِيرُونَ أَبْنَاءُ عِلَّاتٍ. وَكَانَ أَبُو تَاشْفِينَ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَقَدْ رَفَعَهُ عَلَى الْبَاقِينَ وَأَشْرَكَهُ فِي رَأْيِهِ، وَأَوْجَبَ لَهُ الْحَقَّ عَلَى وُزَرَاءِ دَوْلَتِهِ، فَكَانَ لِذَلِكَ رَدِيفَهُ وَمَظْهَرَ سُلْطَانِهِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَتَعَاهَدُ أُولَئِكَ الإِخْوَةَ الأَشِقَّاءَ بِحُنْوَةٍ وَيُقْسِمُ لَهُمْ مِنْ تَرْشِيحِهِ، وَالنَّجِيِّ فِي خَلْوَتِهِ، فَيَغَصُّ أَبُو تَاشْفِينَ مِنْهُمْ".

ثم ظهرت بوادر الفتنة حين نُسب إلى أبي زيّان ميلٌ إلى العصيان، فنقله أبوه إلى وهران وأحاطه بالرقباء. وفي أثناء ذلك اشتدّ نفوذ رجلٍ من خاصّة السلطان يُدعى موسى بن يخلف، فصار عينًا بين الأب والابن، يغري هذا بذاك، ويُوقد نار الشكّ بينهما. فكانت أولى الفجائع اغتيال يحيى بن خلدون -أخ عبد الرحمن الشهير- وكان يحيى كاتب السلطان بتحريضٍ خفيّ، إذ ظنّ أبو تاشفين أنه يميل إلى أخيه أبي زيّان، يقول ابن خلدون ". وَكَانَ أَبُو تَاشْفِينَ أَيْضًا اسْتَخْلَصَهُ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا يَغَصُّ بِابْنِ خَلْدُونَ كَاتِبِ السُّلْطَانِ وَيَغَارُ مِنْ تَقَدُّمِهِ عِنْدَهُ، وَيُغْرِي بِهِ أَبَا تَاشْفِينَ جُهْدَهُ، فَدَسَّ إِلَيْهِ أَثْنَاءَ هَذِهِ المُطَاوَلَةِ أَنَّ الكَاتِبَ يَحْيَى بْنَ خَلْدُونَ إِنَّمَا مَطْلُهُ بِالكِتَابِ خِدْمَةً لأَبِي زَيَّانَ أَخِيهِ وَإِيثَارًا لَهُ عَلَيْهِ، فَاسْتَشَاطَ لَهَا أَبُو تَاشْفِينَ وَتَرَصَّدَهُ مُنْصَرَفَهُ مِنَ القَصْرِ إِلَى بَيْتِهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ فِي إِحْدَى لَيَالِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانِينَ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَوْغَادِ، كَانَ يَطُوفُ بِهِمْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَيَطْرُقُ مَعَهُمْ بُيُوتَ أَهْلِ السَّرْوِ وَالحِشْمَةِ فِي سُبُلِ الفَسَادِ، فَعَرَضُوا لَهُ وَطَعَنُوهُ بِالخَنَاجِرِ حَتَّى سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ مَيْتًا".

ومع تزايد الشكوك، مال السلطان أبوحمو إلى استرضاء ابنه، فأقطعه وهران ثم الجزائر، فازداد قوةً واستبدادًا. وفي تلك الأثناء خرج أبو حمّو بعساكره إلى المغرب الأقصى، وتداخلت حروب بني مرين، فضعف أمره، واغتنم خصومه الفرصة حتى دخل السلطان المريني تلمسان، ففرّ أبو حمّو إلى حصن تاجحمومت معتمدًا على ابنه المنتصر. ثم لم يلبث أن عاد إلى ملكه بعد اضطراب أمر بني مرين.

غير أن الفتنة داخل البيت كانت قد استفحلت، فانقلب التنافس إلى عداوة صريحة، واتهم أبو تاشفين أباه بممالأة إخوته،يقول ابن خلدون " كَانَ التَّنَافُسُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْوَلَدِ خَفِيًّا عَلَى النَّاسِ بِمَا كَانَ السُّلْطَانُ أَبُوهُمْ يُدَامِلُ بَيْنَهُمْ، وَيُدَارِي بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَمَامَ بَنِي مَرِينٍ، وَعَادُوا إِلَى تِلِمْسَانَ صَارَ تَنَافُسُهُمْ إِلَى العَدَاوَةِ، وَاتَّهَمَ أَبُو تَاشْفِينَ أَبَاهُ بِمُمَالاةِ إِخْوَتِهِ عَلَيْهِ فَشَمَّرَ لِعُقُوقِهِ، وَعَدَاوَتِهِ. وَشَعَرَ السُّلطَانُ بِذَلِكَ فَأَعْمَلَ الحَرَكَةَ إِلَى نَاحِيَةِ البَطْحَاءِ مُوَرِّيًا بِإِصْلاحِ العَرَبِ، وَمُعْتَزِمًا عَلَى لِقَاءِ ابْنِهِ الْمُنْتَصِرِ بِمِلْيَانَةَ لِيَصِلَ بِهِ جَنَاحَهُ وَيَتَخَطَّى إِلَى الجَزَائِرِ فَيَجْعَلَهَا دَارَ مُلْكِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَخْلَفَ بِتِلِمْسَانَ ابْنَهُ تَاشْفِينَ، وَحَالَفَهُ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ. وَاطَّلَعَ مُوسَى بْنُ يَخْلَفَ عَلَى خَبِيئَةِ السُّلطَانِ بِذَلِكَ، فَدَسَّ بِهَا إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ عَلَى عَادَتِهِ، فَطَارَ بِهِ الأَسَفُ كُلَّ مَطَارٍ، وَأَغَّذَ السَّيْرَ مِنْ تِلِمْسَانَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ العَسْكَرِ فَصَبَّحَ أَبَاهُ بِأَسْفَلِ البَطْحَاءِ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْمُنْتَصِرِ. وَكَشَفَ لَهُ القِنَاعَ عَنِ النَّكِيرِ وَالسُّخْطِ عَلَى مَا بَلَغَهُ، فَحَلَفَ لَهُ السُّلطَانُ عَلَى ذَلِكَ وَأَرْضَاهُ بِالرُّجُوعِ مَعَهُ إِلَى تِلِمْسَانَ فَرَجَعَا جَمِيعًا".. فبادر الإبن إلى خلعه، واعتقله، واستولى على الملك سنة ثمانٍ وثمانين. ثم طارد إخوته الذين احتموا بالقبائل، وسعى إلى قتل أبيه، غير أن أبا حمّو أفلت من سجنه بحيلةٍ عجيبة، إذ تدلّى بحبل من عمامته، فبايعه أهل وهران وعاد إلى تلمسان. وهنا تجدد الصراع بين الأب والابن، فخرج أبو حمّو يجمع الأنصار من العرب، وناوش ابنه القتال، فتقلبت الأيام بينهما، مرةً لهذا ومرةً لذاك، حتى اضطربت البلاد، وتفرقت كلمة بني عبد الواد.

يقول ابن خلدون، شارحا فصلا مدميا: وَلَمَّا رَجَعَ السُّلطَانُ مِنَ البَطْحَاءِ، وَبَطَلَ مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ مِنَ الاتِّصَالِ بِالْمُنْتَصِرِ، دَسَّ إِلَيْهِ مَعَ خَالِصَةٍ مِنْ أَهْلِ دَوْلَتِهِ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الكَلِيبِ بِأَحْمَالٍ مِنَ المَالِ يُودِعُهَا إِلَى أَنْ يَجِدَ السَّبِيلَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ. وَكَتَبَ لَهُ بِوِلايَةِ الجَزَائِرِ لِيُقِيمَ بِهَا حَتَّى يَخْلُصَ إِلَيْهِ، وَاطَّلَعَ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ فَأَطْلَعَ أَبَا تَاشْفِينَ عَلَى الخَبَرِ، فَبَعَثَ فِي إِثْرِهِ مِنْ حَاشِيَتِهِ مَنْ اغْتَالَ ابْنَ الكَلِيبِ فِي طَرِيقِهِ وَجَاءَ إِلَيْهِ بِالْمَالِ وَالكُتُبِ. فَاطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُتَرَبِّصُونَ بِهِ، فَاسْتَشَاطَ، وَجَاهَرَ أَبَاهُ، وَغَدَا عَلَيْهِ بِالقَصْرِ فَوَقَفَهُ عَلَى الكِتَابِ، وَبَالَغَ فِي عَذْلِهِ. وَتَحَيَّزَ مُوسَى بْنُ يَخْلَفَ إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ وَهَجَرَ بَابَ السُّلطَانِ، وَأَغْرَى بِهِ ابْنَهُ فَغَدَا عَلَى أَبِيهِ بِالقَصْرِ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَخَلَعَهُ، وَأَسْكَنَهُ بَعْضَ حُجَرِ القَصْرِ، وَوَكَّلَ بِهِ، وَاسْتَخْلَصَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالذَّخِيرَةِ. ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى قَصَبَةِ وَهْرَانَ فَاعْتَقَلَهُ بِهَا، وَاعْتَقَلَ مَنْ حَضَرَ بِتِلِمْسَانَ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَذَلِكَ آخِرَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَبَلَغَ الخَبَرُ إِلَى المُنْتَصِرِ بِمِلْيَانَةَ، وَأَبِي زَيَّانَ وَعُمَيْرٍ، فَلَحِقُوا بِقَبَائِلِ حُصَيْنٍ، وَاسْتَدَمُّوا بِهِمْ فَأَذَمُّوهُمْ وَأَنْزَلُوهُمْ عِنْدَهُمْ بِجَبَلِ تِيطَرِي. وَجَمَعَ أَبُو تَاشْفِينَ العَسَاكِرَ وَاسْتَأْلَفَ العَرَبَ مِنْ سُوَيْدٍ وَبَنِي عَامِرٍ، وَخَرَجَ فِي طَلَبِ المُنْتَصِرِ وَإِخْوَتِهِ، وَمَرَّ بِمِلْيَانَة (..) وَلَمَّا طَالَ مُقَامُ أَبِي تَاشْفِينَ عَلَى تِيطَرِي لِحِصَارِ إِخْوَتِهِ، ارْتَابَ بِأَمْرِ أَبِيهِ وَطُولِ مَغِيبِهِ عَنْهُ، وَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي شَأْنِهِ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ وَأَصْفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَبَعَثَ أَبُو تَاشْفِينَ ابْنَهُ أَبَا زَيَّانَ فِي لُمَّةٍ مِن حَاشِيَتِهِ، فِيهِمُ ابْنُ الوَزِيرِ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الخُرَاسَانِيِّ، فَقَتَلُوا مَن كَانَ مُعْتَقَلًا بِتِلِمْسَانَ مِن أَبْنَاءِ السُّلْطَانِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى وَهْرَانَ. وَسَمِعَ أَبُو حَمُّو بِقُدُومِهِم فَأَوْجَسَ الخِيفَةَ مِنْهُم، وَاطَّلَعَ مِن جُدْرَانِ القَصْرِ يُنَادِي بِالصَّرِيخِ فِي أَهْلِ البَلَدِ فَتَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وَتَدَلَّى لَهُم بِحَبْلٍ وَصَلَهُ مِن عِمَامَتِهِ الَّتِي كَانَ مُعْتَمًّا بِهَا، فَتَنَاوَلُوهُ حَتَّى اسْتَقَرَّ بِالأَرْضِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ الرَّهْطُ الَّذِينَ جَاؤُوا لِقَتْلِهِ بِبَابِ القَصْرِ، وَقَدْ أَغْلَقَهُ دُونَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا الهَيْعَةَ وَاسْتَيْقَنُوا الأَمْرَ طَلَبُوا النَّجَاةَ بِدِمَائِهِمْ وَاجْتَمَعَ عَلَى السُّلْطَانِ أَهْلُ البَلَدِ، وَتَوَلَّى كِبَرُ ذَلِكَ خَطِيبُهُم، وَجَدَّدُوا لَهُ البَيْعَةَ، وَارْتَحَلَ مِن حِينِهِ إِلَى تِلِمْسَانَ فَدَخَلَهَا أَوَائِلَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ عَوْرَةٌ بِمَا كَانَ بَنُو مَرِينَ هَدَمُوا أَسْوَارَهَا، وَأَزَالُوا حِصْنَهَا، وَبَعَثَ فِيمَن كَانَ مُخَلَّفًا بِأَحْيَاءِ بَنِي عَامِرٍ مِن أَكَابِرِهِم وَوُجُوهِهِم فَقَدِمُوا عَلَيْهِ. وَطَارَ الخَبَرُ إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ بِمَكَانِهِ مِن حِصَارِ تِيطَرِي فَانْكَفَأَ رَاجِعًا إِلَى تِلِمْسَانَ فِيمَن مَعَهُ مِنَ العَسَاكِرِ وَالعَرَبِ، وَبَادَرَهُ قَبْلَ أَن يَسْتَكْمِلَ أَمْرَهُ فَأَحِيطَ بِهِ، وَنَجَا إِلَى مِئْذَنَةِ المَسْجِدِ الجَامِعِ فَاعْتَصَمَ بِهَا، وَدَخَلَ أَبُو تَاشْفِينَ القَصْرَ، وَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ، وَأُخْبِرَ بِمَكَانِهِ فَجَاءَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَاسْتَنْزَلَهُ مِن المِئْذَنَةِ، وَأَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ، فَجَهَشَ بِالبُكَاءِ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَغَدَا بِهِ إِلَى القَصْرِ، وَاعْتَقَلَهُ بِبَعْضِ الحُجَرِ هُنَالِكَ. وَرَغِبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ فِي تَسْرِيحِهِ إِلَى المَشْرِقِ لِقَضَاءِ فَرْضِهِ فَشَارَطَ عَلَيْهِ بَعْضَ تُجَّارِ نَصَارَى الإِفْرِنْجِ المُتَرَدِّدِينَ إِلَى تِلِمْسَانَ مِن القُطَّلانِ عَلَى حَمْلِهِ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَرْكَبَهُ السَّفِينَةَ مَعَهُم بِأَهْلِهِ مِن فُرْضَةِ وَهْرَانَ ذَاهِبًا لِطِيَّتِهِ، مُوَكَّلًا بِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو تَاشْفِينَ عَلَى القِيَامِ بِدَوْلَتِهِ".

لكن أبي حمو نَزَلَ ببجاية، فالتف حوله أنصاره، وعادوا به إلى تلمسان سلطانا عليهم ضد ابنه.

يقول ابن خلدون " وَصَارَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِ فِي طَاعَتِهِ. وَبَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَهْدِيِّ قَائِدِ الأُسْطُولِ بِبِجَايَةَ الْمُسْتَبِدِّ عَلَى أَمِيرِهَا مِنْ وَلَدِ السُّلْطَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَارِثٍ خَالِصَةَ الْمُنْتَصِرِ ابْنِ أَبِي حَمُّو مِنْ نَاشِئَةِ دَوْلَتِهِمْ [كَانَ سَلَفُهُ عُرَفَاءَ الْوَزَعَةِ وَالْبَوَّابِينَ بِقَصْرِهِمْ، وَعَرَضَتْ لِلْحَرَمِ حَاجَةٌ إِلَى رِضَاعِ الْمُنْتَصِرِ لِعُذْرٍ مَنَعَ أُمَّهُ مِنْ رِضَاعِهِ فَأَرْضَعَتْهُ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ وَارِثٍ هَذَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَكَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً يَمُتُّ بِهَا إِلَى خِدْمَةِ الْمُنْتَصِرِ حَتَّى خَالَطَهُ وَخَلَصَ لَهُ وَحَضَرَ مَعَهُمْ بِتِيطَرِي وَفَارَقَهُمْ إِلَى بِجَايَةَ بَعْدَ أَنْ تَخَلَّصُوا مِنَ الْحِصَارِ فَلَمَّا نَزَلَ السُّلْطَانُ أَبُو حَمُّو بِمَرْسَى بِجَايَةَ، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي مَهْدِيِّ بَعَثَ هُوَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ وَارِثٍ هَذَا] بِالإِجَابَةِ إِلَى مَا سَأَلَ، وَأَنْزَلَهُ بِبِجَايَةَ آخِرَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَأَسْكَنَهُ بُسْتَانَ الْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالرَّفِيعِ. وَطِيرَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ بِتُونِسَ فَشَكَرَ لَهُ مَا أَتَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالِاسْتِبْلَاغِ فِي تَكْرِيمَتِهِ، وَأَنْ يُخْرِجَ عَسَاكِرَ بِبِجَايَةَ فِي خِدْمَةِ أَبِي حَمُّو إِلَى حُدُودِ عَمَلِهِ مَتَى احْتَاجَ إِلَيْهَا. ثُمَّ خَرَجَ السُّلْطَانُ أَبُو حَمُّو مِنْ بِجَايَةَ، وَنَزَلَ مَتِيجَةَ وَاسْتَنْفَرَ طَوَائِفَ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَنَهَضَ يُرِيدُ تِلِمْسَانَ، وَاعْصَوْصَبَ قَوْمُهُ بَنُو عَبْدِ الْوَادِ عَلَى أَبِي تَاشْفِينَ بِمَا بَذَلَ فِيهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ وَقَسَمٍ مِنَ الأَمْوَالِ، فَنَابَذُوا السُّلْطَانَ أَبَا حَمُّو، وَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَخَلَّفَ ابْنَهُ أَبَا زَيَّانَ فِي جِبَالِ شَلَفٍ مُقِيمًا لِدَعْوَتِهِ، وَبَلَغَ إِلَى تَامَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ فَبَعَثَ عَسْكَرًا إِلَى شَلَفٍ مَعَ ابْنِهِ أَبِي زَيَّانَ وَوَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، فَتَوَاقَعُوا مَعَ أَبِي زَيَّانَ ابْنِ السُّلْطَانِ أَبِي حَمُّو فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ أَبُو زَيَّانَ بْنُ أَبِي تَاشْفِينَ وَوَزِيرُهُ ابْنُ مُسْلِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْوَادِ. وَكَانَ أَبُو تَاشْفِينَ لَمَّا بَلَغَهُ وُصُولُ أَبِيهِ إِلَى تَامَةَ سَارَ إِلَيْهِ مِنْ تِلِمْسَانَ فِي جُمُوعِهِ، فَأَجْفَلَ أَبُو حَمُّو إِلَى وَادِي صَا، وَاسْتَجَاشَ بِالْأَحْلَافِ مِنْ عَرَبِ الْمَعْقِلِ هُنَالِكَ، فَجَاؤُوا لِنَصْرِهِ. وَعَاوَدَ تَامَةَ فَنَزَلَهَا، وَأَقَامَ أَبُو تَاشْفِينَ قُبَالَتَهُ، وَبَلَغَهُ هُنَالِكَ هَزِيمَةُ ابْنِهِ وَمَقْتَلُهُ فَوَلَّى مُنْهَزِمًا إِلَى تِلِمْسَانَ، وَأَبُو حَمُّو فِي اتِّبَاعِهِ. ثُمَّ سَرَّحَ أَبُو تَاشْفِينَ مَوْلاهُ سَعَادَةَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ لِمُحَاوَلَةِ الْعَرَبِ فِي التَّخَلِّي عَنْ أَبِي حَمُّو، فَانْتَهَزَ أَبُو حَمُّو فِيهِ الْفُرْصَةَ وَهَزَمَهُ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ بِتِلِمْسَانَ وَكَانَ يُؤَمِّلُ النَّجَحَ عِنْدَ سَعَادَةَ فِيمَا تَوَجَّهَ فِيهِ، فَأَخْفَقَ سَعْيُهُ، وَانْفَضَّ عَنْهُ بَنُو عَبْدِ الْوَادِ وَالْعَرَبُ الَّذِينَ مَعَهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا مِنْ تِلِمْسَانَ مَعَ أَوْلِيَائِهِ مِنْ سُوَيْدٍ إِلَى مَشَاتِيهِمْ بِالصَّحْرَاءِ، وَدَخَلَ السُّلْطَانُ أَبُو حَمُّو تِلِمْسَانَ فِي رَجَبٍ تِسْعِينَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَبْنَاؤُهُ فَأَقَامُوا مَعَهُ بِتِلِمْسَانَ، فَطَرَقَ الْمُنْتَصِرَ ابْنَهُ الْمَرَضُ فَهَلَكَ بِهَا لِأَيَّامٍ مِنْ دُخُولِهِ تِلِمْسَانَ، وَاسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ."

على إثر ذلك..استعان أبو تاشفين ببني مرين، فجاءته جيوشهم، فالتقوا بأبي حمّو في نواحي الغيران، وكانت الوقعة الفاصلة، حيث انهزم أبو حمّو وسقط عن فرسه، فأدركه الفرسان وقتلوه، وحُمل رأسه إلى ابنه، فتمّ له الملك.

يقول ابن خلدون "لَمَّا خَرَجَ أَبُو تَاشْفِينَ مِن تِلِمْسَانَ أَمَامَ أَبِيهِ، وَاتَّصَلَ بِأَحْيَاءِ سُوَيْدٍ، أَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى الِاسْتِنْجَادِ بِصَاحِبِ الْمَغْرِبِ، فَوَفَدَ أَبُو تَاشْفِينَ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ عَرِيفٍ شَيْخُ سُوَيْدٍ عَلَى السُّلْطَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ صَاحِبِ فَاسَ، وَسُلْطَانِ بَنِي مَرِينَ صَرِيخَيْنِ عَلَى شَأْنِهِمَا، فَقَبِلَ وِفَادَتَهُمَا، وَوَعَدَهُمَا بِالنَّصْرِ مِن عَدُوِّهِمَا. وَأَقَامَ أَبُو تَاشْفِينَ عِنْدَهُ يَنْتَظِرُ إِنْجَازَ وَعْدِهِ، وَكَانَ بَيْنَ أَبِي حَمُّو وَابْنِ الْأَحْمَرِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ وَشِيجَةُ وُدٍّ وَعَقِيدَةُ وِصْلَةٍ، وَلِابْنِ الْأَحْمَرِ دَالَّةٌ وَتَحَكُّمٌ فِي دَوْلَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ صَاحِبِ الْمَغْرِبِ بِمَا سَلَفَ مِن مُظَاهَرَتِهِ عَلَى أَمْرِهِ مِن أَوَّلِ دَوْلَتِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو حَمُّو فِي الدِّفَاعِ عَنْهُ بِإِجَازَةِ أَبِي تَاشْفِينَ مِن الْمَغْرِبِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ لِذَلِكَ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ، وَعَلَّلَهُ بِالْقُعُودِ عَن نَصْرِهِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْأَحْمَرِ فِي ذَلِكَ، فَتَعَلَّلَ بِالْمَعَاذِيرِ.
وَكَانَ أَبُو تَاشْفِينَ قَدْ عَقَدَ لِأَوَّلِ قُدُومِهِ مَعَ وَزِيرِ الدَّوْلَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عِلَالٍ حِلْفًا اعْتَقَدَ الْوَفَاءَ بِهِ، فَكَانَ هَوَاهُ فِي إِنْجَادِهِ وَنَصْرِهِ مِن عَدُوِّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَفتُلُ لِسُلْطَانِهِ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، وَيَلْوِي عَنِ ابْنِ الْأَحْمَرِ الْمَوَاعِيدَ حَتَّى أَجَابَهُ السُّلْطَانُ إِلَى غَرَضِهِ. وَسَرَّحَ ابْنَهُ الْأَمِيرَ أَبَا فَارِسٍ، وَالْوَزِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ عِلَالٍ فِي الْعَسَاكِرِ لِمُصَارَخَةِ أَبِي تَاشْفِينَ، وَفَصَلُوا مِن فَاسَ أَوَاخِرَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَانْتَهَوْا إِلَى تَازَى، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ أَبِي حَمُّو فَخَرَجَ مِن تِلِمْسَانَ وَجَمَعَ أَشْيَاعَهُ مِن بَنِي عَامِرٍ، وَالْخُرَّاجَ مِن عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَطَعَ جَبَلَ بَنِي وَرْنِيدَ الْمُطِلَّ عَلَى تِلِمْسَانَ، وَسَارَ إِلَى نَوَاحِي عُيُونِ صَا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي تَاشْفِينَ بِمُفَارَقَتِهِ تِلِمْسَانَ، فَقَدِمَ إِلَى تِلِمْسَانَ جُرَذَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، وَشَيْطَانَ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ مُوسَى بْنَ يَخْلَفَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقَامَ دَعْوَةَ أَبِي تَاشْفِينَ فِيهَا. وَطَارَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي حَمُّو فَبَعَثَ لِتَلَافِيهَا مِن مَكَانِهِ ذَلِكَ ابْنَهُ عُمَيْرَ فَصَبَّحهُ بِهَا لِلَيْلَةٍ مِن مَسِيرِهِ فَأَسْلَمَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ وَتَقَبَّضَ عَلَيْهِ وَجَاءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِيهِ بِمَكَانِهِ مِنَ الْغِيرَانِ، فَوَبَّخَهُ أَبُو حَمُّو عَلَى فِعَالِهِ ثُمَّ أَذَاقَهُ أَلِيمَ عَذَابِهِ وَنَكَالِهِ، وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ أَشْنَعَ قِتْلَةٍ. وَسَارَ أَبُو حَمُّو إِلَى نَاحِيَةِ الْغِيرَانِ وَرَاءَ جَبَلِ تِلِمْسَانَ، وَفَارَقَهُ أَشْيَاعُهُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى صَحَارِيِهِم وَجَاءَتِ الْعُيُونُ إِلَى أَبِي فَارِسٍ ابْنِ صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَوَزِيرِهِ ابْنِ عِلَالٍ بِمَكَانِ أَبِي حَمُّو وَأَعْرَابِهِ بِالْغِيرَانِ، فَنَهَضَ الْوَزِيرُ ابْنِ عِلَالٍ فِي عَسَاكِرِ بَنِي مَرِينَ لِغَزْوِهِ، وَسَارَ أَمَامَهُم سُلَيْمَانُ بْنُ نَاجِي مِن الْأَحْلَافِ، إِحْدَى بُطُونِ الْمَعْقِلِ يَدُلُّ بِهِم طَرِيقَ الْقَفْرِ، حَتَّى صَبَّحُوهُ وَمَن مَعَهُ مِنْ أَحْيَاءِ الْخُرَّاجِ فِي مَكَانِ مَقَامَتِهِم بِالْغِيرَانِ. وَنَاوَشُوهُمُ الْقِتَالَ فَلَمْ يُطِيقُوهُم لِكَثْرَتِهِم، وَوَلَّوا مُنْهَزِمِينَ، وَكَبَا بِالسُّلْطَانِ أَبِي حَمُّو فَرَسُهُ فَسَقَطَ، وَأَدْرَکَهُ بَعْضُ فُرْسَانِهِمْ. وَعَرَفَهُ فَقَتَلُوهُ قَعْصًا بِالرِّمَاحِ وَجَاؤُوا بِرَأْسِهِ إِلَى الْوَزِيرِ ابْنِ عِلَالٍ وَأَبِي تَاشْفِينَ، وَجَاؤُوا بِابْنِهِ عُمَيْرٍ أَسِيرًا، وَهَمَّ أَبُو تَاشْفِينَ بِقَتْلِهِ فَمَنَعُوهُ أَيَّامًا ثُمَّ أَمْکَنُوهُ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. وَدَخَلَ أَبُو تَاشْفِينَ إِلَى تِلِمْسَانَ آخِرَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَخَيَّمَ الْوَزِيرُ وَعَسَاکِرُ بَنِي مَرِينَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ حَتَّى دَفَعَ إِلَيْهِمْ مَا شَارَطَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ قَفَلُوا إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَقَامَ هُوَ بِتِلِمْسَانَ يُقِيمُ دَعْوَةَ السُّلْطَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَيُخْطَبُ لَهُ عَلَى مَنَابِرِهِ وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالضَّرِيبَةِ كُلَّ سَنَةٍ كَمَا اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ"

واستقرّ أبو تاشفين بتلمسان، لكنه كان تابعًا لبني مرين يؤدي لهم الطاعة والضريبة، ولم تزل الفتن قائمة، إذ خرج أخوه أبو زيّان يطلب الثأر، وتحالف مع العرب، وحاصر تلمسان مرارًا، ثم انهزم، فلجأ إلى سلطان المغرب ينتظر نصره. ولم يلبث أبو تاشفين أن أدركه المرض فهلك، فاضطربت الدولة بعده، وتنازعها الأمراء، حتى تدخل بنو مرين، فملكوا تلمسان حينًا، ثم أعادوا أبا زيّان إليها أميرًا باسمهم. وبذلك استقرت الحال قليلًا بعد طول اضطراب، وقد ذهبت ريح بني عبد الواد بما وقع بينهم من التنافس، وتحقق فيهم ما جرت به العادة من فساد الدول عند تنازع أهل البيت، والله غالب على أمره.

#تاريـخ_ابن_خلدون #عمادالدين_زناف #الجزائر #نوميديا #المغرب_الأوسط














تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

سـَـامِحِيـنِي يـَا حَمَامَةَ النَّـافِذَة

من هم المور