العُرف وَاللباس.. اِلبس جزائري اليومَ وغَدًا

 


العُرف واللباس، البس جزائري.. اليومَ وَغدًا.

عندما قُلنا اِلبس جزائري في العيد، الغرض كانَ واضِحًا، أن تلبس لباسًا معروفا متعارفًا عليه في هذا البلد،ولم نقل لا تلبس إلا جزائري في العيد، فالحرية مكفولة، والإلزام أصلا غير وارد. كان حديثنا يستند استنادا كاملا على العُرف.
في كتاب القواعد الفقهية، باب القواعد المحكمة، يقول صاحبه: والعرف الخاص هو ما كان مخصوصاً ببلد، أو مكان دون مكان آخر، أو بين فئة من الناس دون أخرى، كعرف التجار فيما يُعَدّ عيباً، وكعرفهم في بعض البلاد أن يكون ثمن البضاعة مقسطاً إلى عدد معلوم من الأقساط، وغير ذلك. والعرف العام: هو ما كان فاشياً في جيع البلاد بين الناس كالاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم، وكتأجيل جانب من مهور النساء في البلاد الإسلامية، وغير ذلك. وذكر المالكیة تعریفات متعددة للعرف؛ منھا أن العرف ھو كل ما عرفته النفوس مما لا تردُّه الشريعة، ولم یفرق المالكیة بین العرف والعادة كما فرق غیرھم، فقد أطلق المالكیة على العرف مصطلح العادة. قال الإمام الشاطبي، العرف الصحيح هو كتعارف الناس على أن ما یقدمه الخاطب لمخطوبته من ثیاب ونحوھا من الھدایا، مما لا یُعَد من المھر المعدود على الزوج، وغیر ذلك من الأعراف. وَقدقال ابن عابدين: والعرف في الشرع له اعتبارُ...لذا عليه الحكمُ قد يُدار.
فاللباس من العُرف، وإذا عُرف بلد بلباس الخاص الذي يوافق الشرع، فلا يجوز مخالفة هذا العرف حَذَر الفتنة، مثل إحداث الفرقة في المجتمع، وحَذَرَ لباس الشُهرة المنهيّ عنه، قال عليه الصلاة والسلام: "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة" أخرجه ابن ماجة، وفي موضع آخر «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ، ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ» رواه أبو داود. وقد رأى الإمام أحمد رَجُلًا لابِسًا بُرْدًا مخططًا بَيَاضًا وسوادًا، فقال: [ضع هذا، والبس لباس أهل بلدك، وقال: ليس هو بحرام، ولو كنت بمكة، أو المدينة لم أعب عليك].
والبرنس عند العرب لباس شهرة لأنه غريب عنهم، لذلك لا يلبسونه، إذ روى الإمام ابن أبي شيبة في "مصنفه"عن عباد بن العوام عن الحصين قال: [كان زبيد اليامي يلبس بُرنسًا، قال: فسمعت إبراهيم عابه عليه، قال: فقلت له: إن الناس كانوا يلبسونها، قال: أجل، ولكن قد فني مَنْ كان يلبسها، فَإِن لبسها أحدٌ اليوم شهروه، وأشاروا إليه بالأصابع]. وقال العلامة ابن حجر في "فتح الباري": [مراعاة زِيِّ الزمان مِن المروءة ما لم يكن إِثْمًا، وفي مُخالفة الزِّيِّ ضَرْب مِن الشهرة].. حتى ابن تيمية الذي لا يرون غيره قال في مجموع الفتاوى: [فسُنَّته في ذلك تقتضي أن يلبس الرجل، ويطعم مما يسَّره اللهُ ببلده من الطعام واللباس، وهذا يتنوع بتنوع الأمصار]
واللباس اليمني الذي أرادوا تمريره هو لباس عرف في اليمن، لكنه يعد لباسا غريبا في الجزائر، لذلك يُعد لباسا يراد منه العُجبُ والشهرة، ابتغاء زرع الخلاف والتميّز على الناس، ومخاطبتهم بلغة تميّز عرقي، ورفعة ماديّة.
قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد نقله لكلام ابن الأثير: "والمراد أن ثوبه يشتهر به بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر." وقال فيه أيضا : "وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ ثَوْبِ الشُّهْرَةِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصًّا بِنَفِيسِ الثِّيَابِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ يَلْبَسُ ثَوْبًا يُخَالِفُ مَلْبُوسَ النَّاسِ مِنْ الْفُقَرَاءِ، لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَجَّبُوا مِنْ لُبْسِهِ وَيَعْتَقِدُوهُ، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ. وَإِذَا كَانَ اللُّبْسُ لِقَصْدِ الِاشْتِهَارِ فِي النَّاسِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَوَضِيعِهَا وَالْمُوَافِقِ لِمَلْبُوسِ النَّاسِ وَالْمُخَالِفِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَدُورُ مَعَ الِاشْتِهَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ."
والعُرف قد يصل بمن يخالفه إلى إسقاط عدالته، فمثلا، في الأندلس، يقول الإمام الشاطبي أن من كان شاهدًا عند القاضي وهو يضع على رأسه تُردّ شهادته، لأن العمامة لم تكن عُرفا عند أهل الأندلس، فقد كانوا حاصري الرؤوس، أما من جاءَ القاضي شاهدًا وهو حاصر الرأس في بلاد المشرق، فتُردّ شهادته، فالعرف فيها أن يضع الناس على رؤوسهم.
علاوة على كل ما ذكرت، لم يثبت لنا كيف كان لباس النبي عليه الصلاة والسلام إلا صفةً، أي أن كل لباس تطابق مع صفة لبس النبي فهو موافق له، ولا يجب بالضرورةأن يُحاكي لباس أهل الصحراء في ثلوج الجبال وبرودتها، فهذا يؤذي الأبدان ويخالف الشرع، يقول تعالى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
أخيرًا، إذا عُرفت مهنة بلباس، فلا يجوز أن يلبسها من لا يمتهنها، في الماضي، اختص القضاة بخاتمهم، فمن لبسه من العامة شوش على الناس، اليوم، من لبس عمامة "أزهرية" مثلا، غالط الناس، ومن لبس ثوب شرطي أو لباس محامي، سيعرض للمسائلة القانونة، لذلك من يلبس غير لباس قومه من الطبيعي أن يتعرض للمسائلة الثقافية والعُرفيّة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مذكرة الموت Death Note