قصة آخر ملوك غرناطة من بني زيري - الأمير عبد الله - ومحتوى كتابه

 

 
قصة الأمير عبد الله بن بُلُوغين كاملة، آخر ملوك بني زيري في غرناطة، مع وضع أهم نقاط محتوى كتابه «التبيان»

أدّى رحيل باديس بن حبوس سنة ألفٍ وثلاثٍ وسبعين للميلاد إلى اختلال ميزان السلطة داخل دولة بني زيري في غرناطة، فاجتمع شيوخ صنهاجة على تولية حفيده عبد الله بن بلقين، متجاوزين حقّ أخيه الأكبر تميم بن بلقين، الذي كان يتولى ولاية مالقة منذ عهد جدّه. ولم يكن هذا الاختيار قائمًا على الكفاءة السياسية بقدر ما كان ثمرة حسابات قبلية وتوازنات داخلية، إذ كان عبد الله آنذاك حدثَ السنّ، لا يملك من أدوات الحكم سوى اسمه ونسبه. وبسبب صغر سنّه، آلت إدارة الدولة فعليًّا إلى وزيره سماجة، أحد أعيان صنهاجة، الذي انفرد بتدبير شؤون الحكم، واستأثر بزمام السلطة، فغدا الأمير الشاب صورةً رمزية لملكٍ تُدار دولته بإرادة غيره.

وانتهز المعتمد بن عباد وفاة باديس فرصة سانحة، فزحف على مدينة جيّان، الواقعة في شمال أراضي طائفة غرناطة، فاستولى عليها سنة ألفٍ وأربعٍ وسبعين للميلاد، ثم تقدّم نحو غرناطة، وشاد حصونًا في نواحيها لتكون منطلقًا لغاراته. فخرج الوزير سماجة في جيش صنهاجة لردّه، وتمكّن من إرغام المعتمد على الانسحاب دون أن يحقق غايته.

وبمشورة الوزير سماجة، أبرم عبد الله بن بلقين مع ألفونسو السادس، ملك قشتالة، معاهدة تحالف، التزم بموجبها بدفع جزية مقدارها عشرون ألف دينار، على أن يمدّه ألفونسو بقوات عسكرية. وبفضل هذا الدعم، استطاع جيش صنهاجة شنّ حملة على أراضي إشبيلية، واستعادة مدينة قَبْرَة. وفي السنة التالية، أي سنة ألفٍ وخمسٍ وسبعين للميلاد، خرج ألفونسو بنفسه إلى إشبيلية وغرناطة مطالبًا بأداء الجزية.

وفي هذا السياق، بعث المعتمد بن عباد وزيره ابن عمار إلى ألفونسو، يعرض عليه التحالف لغزو غرناطة، على أن تؤول المدينة إلى المعتمد، وتكون أموالها لملك قشتالة، إضافة إلى جزية قدرها خمسون ألف دينار. غير أنّ هزيمة المعتمد على يد المأمون بن ذي النون في قرطبة حالت دون إتمام هذا المشروع. ولم يلبث ابن عباد أن جدّد مساعيه للتحالف مع ألفونسو ضد غرناطة، فأدرك عبد الله بن بلقين خطورة الأمر، فسارع بنفسه إلى لقاء ألفونسو، واتفق معه على أداء جزية سنوية مقدارها عشرة آلاف مثقال من الذهب، وعلى تسليم بعض الحصون القريبة من جيّان، وهي الحصون التي باعها ألفونسو لاحقًا إلى المعتمد بن عباد.

وفي أثناء ذلك، تبيّن لعبد الله أنّ وزيره سماجة قد جرّده من كل سلطة فعلية، فعزله عن منصبه، وأذن له بالرحيل مع أهله إلى ألمرية، ثم شرع في تنفيذ جملة من الإصلاحات الداخلية. كما عقد معاهدة تحالف مع المعتصم بن صمادح، صاحب ألمرية. وبعدها توجّه لقتال أخيه تميم، الذي استقلّ بحكم مالقة، وكان قد أغار على ثغر المنكب الخاضع لسلطان عبد الله. وتمكّن عبد الله من هزيمته، وكاد أن ينهي حكمه في مالقة، لولا تدخّل والدتهما، فصفح عنه وأبقاه واليًا عليها.

وفي أواخر سنة ألفٍ وأربعٍ وثمانين للميلاد، تصالح عبد الله بن بلقين مع المعتمد بن عباد، وذلك قبل أشهر قليلة من سقوط طليطلة في يد ألفونسو السادس سنة ألفٍ وخمسٍ وثمانين للميلاد. وكان سقوط طليطلة صدمةً عنيفة لملوك الطوائف، دفعتهم إلى توحيد صفوفهم والاستنجاد بيوسف بن تاشفين، أمير المرابطين. فانطلقت رسل ملوك الطوائف إلى المغرب تلتمس نصرته ودفع عدوان قشتالة. وشارك عبد الله بن بلقين مع جيوش الأندلس إلى جانب جيش المرابطين في معركة الزلاقة سنة ألفٍ وستٍّ وثمانين للميلاد.

غير أنّ يوسف بن تاشفين، لما بلغه خبر تحالفٍ سرّي عقده عبد الله مع ألفونسو لمقاومة المرابطين، عزله عن الحكم سنة ألفٍ وتسعين للميلاد، ونفاه إلى مدينة أغمات. وفي منفاه، دوّن عبد الله بن بلقين مذكّراته الشخصية، وسمّاها «التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة». وقد نشر هذا الأثر المستشرق ليفي بروفنسال سنة ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسٍ وخمسين للميلاد تحت عنوان «مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة»، اعتمادًا على النسخة الوحيدة المحفوظة بجامعة القرويين في فاس. وتوفي عبد الله بن بلقين في منفاه بمدينة أغمات.

أمّا عن محتوى كتاب «التبيان»، فيسرد فيه المؤلف ما يلي، على الترتيب:

*يفتتح كتابه ببيان منهجيته في تدوين المذكرات، قاصدًا تصحيح تاريخ أسرته، مستشهدًا بالآيات القرآنية، ومستعرضًا معارفه في الفقه والمنطق والفلسفة.
*يؤكد أنّ العدل والإنصاف في كتابة التاريخ لا ينفصلان عن سياق الدولة وزمنها، فلا يجوز ذمّ الدول وأهلها في عهدها، ولا مدحهم بعد زوال سلطانهم.
*يتناول سيرة الحاجب المنصور وإصلاحاته السياسية في الأندلس قبيل بداية الانقسام.
*يروي قدوم بني زيري وبداية عصر الطوائف، وكيف استُعين بالبربر إلى أن تمكّنوا من السيطرة على الحكم.
*يذكر استقرار بني زيري في ألبيرة بطلب من أهلها.
*يتحدّث عن حكم زاوي لألبيرة، وتركه جيّان وحصن آشر لابن أخيه حبوس، على أن يكونا يدًا واحدة في مواجهة الأعداء.
*يسرد تأسيس غرناطة على يد حبوس بن ماكسن.
*يذكر خروج المرتضى لقتال بني زيري وهزيمته أمامهم.
*يروي رحيل زاوي بن زيري إلى إفريقية ووفاته مسمومًا في القيروان، ويذكر أبناءه، ومنهم ونّا وبُلُوغين بن زاوي.
*يتناول استقرار الحكم لحبوس بن ماكسن في جنوب الأندلس، وتقسيمه السلطة بين أقاربه.
*يسرد المؤامرات التي حيكت ضده، ومنها محاولة إقصاء باديس لصالح يدّير بن حباسة.
*يذكر دور حباسة في تفريق صنهاجة بعداوته باديس.
*يتناول إمارة باديس بن ماكسن وتعاظم نفوذ الوزير اليهودي ابن نغرالة.
*يذكر انتصار باديس على المؤامرات، ومنها تلك التي دبّرها حاكم ألمرية زهير.
*يتحدّث عن نشاط يوسف بن نغرالة داخل الدولة.
*يروي مقتل والده الأمير بُلُوغين مسمومًا.
*يسرد استيلاء باديس على مالقة، ثم على جيّان.
*يتناول ثورة صنهاجة على ابن نغرالة وقتله.
*يشرع في سرد فترة حكمه التي بدأت سنة ألفٍ وثلاثٍ وسبعين للميلاد.
*يروي صداماته مع ألفونسو السادس ثم المهادنة بينهما.
*يعرض مواقف ملوك الطوائف من الهجمات القشتالية وبداية عزلتهم السياسية.
*يذكر ظهور حركة المرابطين في الأندلس.
*يتناول توتّر العلاقة بين المرابطين والمعتمد بن عباد، ثم سقوط قرطبة وإشبيلية.
*يذكر عزل المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس.
*يسرد معارك المرابطين ضد الممالك النصرانية.
*يختم بتأملاته في منفاه بأغمات، وآرائه في التنجيم والطب والفلك والجن والعلوم الطبيعية، وهموم الشباب، وحديثه عن أبنائه، ودفاعه عن نفسه ممّا نُسب إليه من أخطاء.

- سأعود إلى هذا الكتاب لاحقًا بعرض شذراتٍ مختارة من نصوصه، إذ كان مؤلفه واسع الاطلاع، متعدّد المعارف.


#عمادالدين_زناف #استرجع_تراثك #الجزائر #المغرب_الأوسط #غرناطة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مذكرة الموت Death Note