لا توجد هندسة "موريسكيّة"، كلها بيزنطيّة.

 


نهاية كذب ما يسمى بالمعمار الموريسكي / الأندلسي

كيف قلّدنا — نحن المسلمون — البيزنطيين في كل شيء هندسيّ، ثم مضينا ننسب تلك الهندسة إلى أنفسنا بكل جرأة، من الدولة الأموية التي كانت أول من قَرصَنَت هندسة غيرها، مرورا بالعباسيين والفاطميين، وصولا إلى عصور المماليك والعثمانيين.
مقال ومبحث (معزز بتجميع الصور) لـ عماد الدين زناف.


من اخترع الأعمدة في البنايات؟ والقبب؟ والنوافذ؟ والصوامع؟ والأقواس؟ القرميد؟ والقلاع المحصنة؟
للوهلة الأولى، يتخيل الحالم، المأخوذ بطرب «مجد الشام والأندلس»، أن تلك المباني إبداع «عربي إسلامي» فريد لم يسبق إليه، غير أن أي دارس للتاريخ، أو حتى عابر سبيل فيه، سيرى بوضوح أن الهندسة العمرانية الإسلامية لم تكن سوى امتداد للعمران البيزنطي النصراني، الموروث عن الهندسَة الهيلينستية والرومانية، مع إزالة الصليب وطمس رسوم الكائنات الحية، وكل ما لا يستساغ شرعا، داخل المباني وخارجها، وفي المساجد خاصة.
لكن قبل الخوض في التفاصيل، كان يستوقفني دائما ذلك السؤال، كيف توقفنا، بين ليلة وضحاها، عن البناء المزخرف الجميل؟، دون أن يقدم أي باحث شرحا جادا للأسباب التي جعلتنا نقلد الغرب في عمارته في كل فترة، الروماني ثم البزنطي ومنذ أن غيرها في عصر النهضة، ثم في الثورة الصناعية، إلى أن بلغ بها عصر العولمة اليوم، هل العمارات الزجاجية انعكاس لثقافة متجذرة أم روتينٌ في التقليد منذ القدم؟..

إن المتشبع بثقافته الهندسية لا يتوقف عن الإنتاج مع توقف الآخر، ولا ينطلق معه، إلا إذا كان يستنسخ عنه؛ وهذا ما نستحي ونتحرج من الإقرار به، كأننا نفضل أن نعيش وهما فوق أوهام نصنعها لأنفسنا بشكل يومي.  والأغرب من ذلك أن بعض الأطراف لا تكتفي بنسب الهندسة الأندلسية إلى المسلمين على سبيل الوحدة ينهم، بل تذهب إلى أحْمَقَ من ذلك، فتنسبها إلى أهل البادية والصحراء، حتى أصبح سكان الصحارى، بين ليلة وضحاها، مشيدينَ للقلاع والحصون، وبانين للقبب والأقواس وأعمدة بمستوى خارق من الإبداع، وعلينا أن نصدق ذلك، وإلا فنحنُ أعداء للأمة وربما نحن للكُفرِ أقرب.
بل إنه لا يسمح للقوم الذين فتحوا الأندلس بجيوشهم، الأمازيغ، والذين اختلطوا بالرومان واليونان والقوط والبيزنطيين، وتشبعوا بثقافاتهم وهندساتهم، أن يقال إنهم كانوا الواسطة في نقل هذه الثقافة وازدهارها في الأندلس.. فالمنطق أصبح جريمة، والخيال أصبح أداة توحيد الأمة.

هكذا كنا. أما اليوم، فقد انتهى زمن الخرافات، وجاء عصر الحقيقة؛ فلندرسها معا.
_
تُعَدّ العمارة البيزنطية أحد الأعمدة التقنية والجمالية الكبرى التي قامت عليها عمارة البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى، وقد كان تأثيرها في تشكّل العمارة الإسلامية، ولا سيما في المشرق وفي الأندلس، تأثيرًا عميقًا وموثّقًا تاريخيًا ويمكن تتبّعه زمنيًا دون لبس.

فالعمارة البيزنطية هي الوريثة المباشرة للعمارة الرومانية المتأخرة، وقد بدأ تبلورها منذ القرن الرابع الميلادي، عقب تأسيس القسطنطينية سنة 330م على يد الإمبراطور قسطنطين الأول، غير أنّ ذروة نضجها التقني والفكري تحقّقت في عهد الإمبراطور جستنيان الأول بين سنتي 527 و565م. ويُعَدّ العنصر الأكثر حسماً وتميّزًا في هذه العمارة هو القبة البيزنطية، ولا سيما القبة القائمة على المثلثات الكروية (البندنتيفات)، وهي الحلّ الإنشائي الذي سمح بإقامة قبة نصف كروية فوق مخطط مربع، وهو ابتكار لم تعرفه العمارة اليونانية الكلاسيكية، ولم تبلغ العمارة الرومانية درجة إتقانه إلا بشكل جزئي ومحدود.

وقد تجسّد هذا الابتكار بأكمل صوره في كنيسة آيا صوفيا بالقسطنطينية، التي شُيّدت بين سنتي 532 و537م على يد المعماريين أنثيميوس التراليسي وإيزيدور الملطي بأمر من جستنيان الأول. فقبّة آيا صوفيا، التي يبلغ قطرها نحو 31 مترًا وترتفع أكثر من 55 مترًا عن مستوى الأرض، تستند إلى أربعة دعائم ضخمة، وتخترق قاعدتها حلقة من النوافذ التي تُحدِث تأثيرًا بصريًا غير مسبوق، حيث تبدو القبة وكأنها معلّقة في الهواء، في تجسيد رمزي لفكرة السماء الإلهية المعلّقة فوق العالم الأرضي. وقبل هذا الإنجاز، كانت مبانٍ مثل ضريح سانتا كوستانزا في روما (نحو 350م)، وكنيسة القيامة في القدس (تأسست نحو 335م)، وبعض الكنائس المسيحية المبكرة في الشرق، قد استخدمت القباب والقبوات نصف الكروية، غير أنّها لم تبلغ قط درجة التحكم البنيوي ولا العظمة الفراغية التي بلغتها العمارة البيزنطية في القرن السادس.

أما النوافذ البيزنطية، ولا سيما تلك المصطفّة عند قواعد القباب أو في الأجزاء العليا من الجدران، فقد شكّلت بدورها عنصرًا إنشائيًا ولاهوتيًا في آنٍ واحد. فوظيفتها لم تكن إضاءة المكان فحسب، بل تحويل الضوء إلى عنصر رمزي، إذ يتكسّر النور عبر الفتحات ليعكسه الذهب والفسيفساء، فيحيل الفضاء المعماري إلى حضور ميتافيزيقي محسوس. وتُعدّ آيا صوفيا النموذج الأقدم والأكمل لهذا النظام الضوئي، الذي سيُقلَّد لاحقًا خارج العالم المسيحي. أما الأعمدة البيزنطية، فكثيرًا ما كانت منقولة من مبانٍ رومانية أقدم، وجُلبت من اليونان وآسيا الصغرى (في عصرها الرومي)، وتُوّجت بتيجان لا هي كورنثية ولا أيونية بالمعنى الكلاسيكي، بل مشغولة بنقوش مفرّغة ومجرّدة تمهّد لذائقة جمالية تقوم على تفكيك الكتلة وتخفيف ثقل المادة. وتكمل الأقواس، التي كانت في الغالب نصف دائرية وأحيانًا مائلة إلى الانفتاح، هذا النظام البنيوي، إذ تنظّم الفضاءات الداخلية وتربط بين الأعمدة والجدران والقباب، وتشكّل مع البندنتيفات العمود الفقري للمنظومة المعمارية البيزنطية.

ومع انطلاق الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، ولا سيما في بلاد الشام وفلسطين بين سنتي 634 و638م، ورثت الدولة الإسلامية الناشئة فضاءً حضريًا مشبعًا بالعمارة البيزنطية على المستويات التقنية والفنية والرمزية. ومن ثمّ، لم تنشأ العمارة الإسلامية الأولى في فراغ، بل داخل مدن تعجّ بالكنائس والبازيليكات والمعموديات والقصور البيزنطية.

ويُعَدّ قبة الصخرة في القدس، التي شُيّدت بين سنتي 691 و692م في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، أول مثال بارز على هذا التحوّل الواعي للإرث البيزنطي. فالمبنى ذو المخطط المركزي المثمّن، والمغطّى بقبة خشبية ضخمة، يستعيد بوضوح تقاليد المذابح التذكارية البيزنطية في القدس، سواء من حيث البنية أو الإضاءة أو الزخرفة. وقد استُخدمت فيه القبة، والطبل المثقوب بالنوافذ، والفسيفساء ذات الخلفيات الذهبية التي نفّذها حرفيون بيزنطيون، بل وحتى بعض الزخارف النباتية والمعمارية التي تعود جذورها إلى الفن الإمبراطوري في القرن السادس، مع اختلاف جوهري في الرسالة العقائدية التي أصبحت إسلامية خالصة وخالية من التصوير الآدمي.

أما الجامع الأموي الكبير في دمشق، الذي بُني بين سنتي 709 و715م في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، فيُعَدّ المثال الأوضح والأكمل على الامتداد المباشر للعمارة البيزنطية داخل العمارة الإسلامية في المشرق. فقد أُقيم على أنقاض بازيليكا مسيحية مكرّسة ليوحنا المعمدان، واحتفظ بمخطط بازليكي ضخم، وبأروقة متعددة، وبساحة محاطة بأعمدة، وبأقواس نصف دائرية، فضلًا عن فسيفساء تمثّل مناظر طبيعية مثالية نُفّذت بأيدٍ بيزنطية. ولهذا يُنظر إلى جامع دمشق على أنه أول مسجد كبير ذي طابع بيزنطي في بلاد الشام، لا بمعنى التقليد السطحي، بل من حيث إعادة توظيف المنظومة المعمارية الإمبراطورية كاملة في سياق إسلامي جديد. أما المآذن، التي لم يكن لها نظير مباشر في العمارة الكنسية البيزنطية، فيُرجَّح أن أشكالها الأولى استُلهمت من الأبراج المدنية أو الدفاعية البيزنطية، إذ ظهرت المآذن الأموية الأولى في القرن الثامن الميلادي بشكل رباعي ضخم قريب من أبراج الحصون أو الأجراس السورية.

وانتقلت هذه التقاليد المعمارية لاحقًا إلى الغرب الإسلامي. ففي الأندلس، شُيّد الجامع الكبير في قرطبة ابتداءً من سنة 785م على يد عبد الرحمن الداخل، آخر أمراء بني أمية. ورغم أن مخططه ذي الأعمدة الكثيفة (الهيبوستايل) يبتعد ظاهريًا عن النموذج البازيليكي البيزنطي، فإن الأقواس المزدوجة، والاستخدام الكثيف للأعمدة المعاد توظيفها، ولا سيما القباب التي تعلو المقصورة والمحراب والتي أُضيفت في القرنين التاسع والعاشر في عهد الحكم المستنصر بالله، تكشف استمرار الأثر البيزنطي عبر الوسيط الشامي. وقد بلغت هذه الصلة ذروتها حين نُفّذت فسيفساء محراب قرطبة نحو سنة 965م على يد فنانين أرسلهم الإمبراطور البيزنطي نقفور الثاني فوكاس، مستخدمين التقنيات نفسها والمواد نفسها المستعملة في القسطنطينية، مما يؤكّد وجود تواصل فني مباشر بين بيزنطة والأندلس. وبذلك يُمكن اعتبار جامع قرطبة أول مسجد كبير في الغرب الإسلامي يستوعب الإرث البيزنطي بوعي، لا على مستوى البنية العامة كما في دمشق، بل على مستوى الرمز والهيبة والزخرفة.

ومن حيث المقارنة الزمنية، فإن القبة البيزنطية القائمة على المثلثات الكروية ظهرت في صورتها المكتملة سنة 537م في آيا صوفيا، في حين تعود أول قبة إسلامية ضخمة ذات طابع رمزي واضح، وهي قبة الصخرة، إلى سنتي 691–692م، أي بعد ذلك بنحو قرن ونصف. كما أن أنظمة النوافذ البيزنطية التي ترسّخت في القرن السادس أُعيد توظيفها في العمارة الإسلامية ابتداءً من القرن السابع، وبلغت نضجها في القرن التاسع. أما الأعمدة والأقواس البيزنطية للقرن السادس، فقد أُعيد استخدامها على نطاق واسع في المساجد الأموية في القرن الثامن، ثم في المساجد الأندلسية خلال القرنين التاسع والعاشر. ويُعدّ ظهور المئذنة في القرن الثامن ابتكارًا إسلاميًا خالصًا من حيث الوظيفة والدلالة، غير أن شكلها المعماري يستند بوضوح إلى تقاليد الأبراج البيزنطية السابقة.
صحيح أنني لم أتحدّث عن القرميد وأصله في حديثي عن التقليد والاستنساخ الأندلسي للنمط البيزنطي المعماري.

كذلم يُعَدّ القِرميد أحد أقدم العناصر المعمارية المستمرّة في تاريخ البناء المتوسطي، وقد بدأ ظهوره المنهجي منذ اليونان القديمة حيث استُعملت ألواح Roof tile المصنوعة من الطين المشوي لحماية المباني من الأمطار مع الحفاظ على خفة السقف مقارنة بالحجر، ثم تطوّر استعماله عند الرومان ضمن نظام علمي دقيق يقوم على عنصرين متكاملين هما Tegula، وهي القطعة المسطّحة المستطيلة التي تُفرش أفقياً، وImbrex، وهي القطعة المقوّسة التي تُوضَع فوق الفواصل لتصريف المياه ومنع التسرّب، وهو نظام ذكي يجمع بين الوظيفة الهيدرولوجية والاستقرار الإنشائي. هذا القرميد الروماني، المصنوع أساساً مما نسمّيه اليوم Terracotta roof tile أو Clay roof tile، انتقل دون انقطاع حقيقي إلى العمارة البيزنطية، حيث حافظ على المبدأ نفسه مع تعديلات طفيفة في السمك والانحناء لتلائم الأسقف المقبّبة والكنسية، ثم واصل رحلته إلى العمارة الأندلسية والمغاربية، لا بوصفه تقليداً شكلياً، بل كحلّ تقني تكيّف مع المناخ؛ ففي الأندلس والمغرب الأوسط والأقصى أصبح القرميد أكثر انحداراً وأخف وزناً ليسهّل تصريف مياه الأمطار، بينما قلّ استعماله في المناطق الجافة لصالح الأسقف المستوية. ومع العصور الحديثة، تطوّر المصطلح ليظهر Ceramic roof tile كتسمية تقنية صناعية تشير إلى القرميد المصنع وفق معايير حرارية دقيقة وأشكال منتظمة، غير أنّ الجوهر ظل واحداً، اي طين يُشكَّل، يُشوَى، ويُعاد توظيفه كوسيط بين السماء والمعمار.

وهكذا، فإن القرميد ربط اليونان بروما، وروما ببيزنطة، وبيزنطة بالأندلس، في سلسلة تقنية وثقافية متصلة، تتغيّر فيها الأشكال والوظائف تبعاً للمناخ والذوق، بينما يبقى المبدأ البنائي واحداً عبر أكثر من ألفي عام، هو الأسلوب الهيلنستي ( العصر اليوناني المتأخر).

وهكذا يتبيّن أن العمارة الإسلامية في المشرق والأندلس لا يمكن فهمها بوصفها قطيعة جذرية مع ما قبلها، بل هي تحوّل تاريخي عميق لإرث بيزنطي متجذّر، أُعيدت صياغته بما يوافق متطلبات الشعيرة الإسلامية ورمزيتها السياسية والعقدية. فالعمارة البيزنطية، الممتدة أساسًا من القرن الرابع إلى السادس الميلادي، قدّمت الحلول التقنية، والهيبة الفراغية، والقواعد البنيوية؛ في حين أعادت العمارة الإسلامية، منذ القرن السابع حتى القرن العاشر، توجيه هذه الأشكال نحو القبلة، وتحريرها من التصوير الآدمي، وربطها بالجماعة المؤمنة. وهذه الاستمرارية، بعيدًا عن أن تنتقص من أصالة العمارة الإسلامية، تكشف عمقها التاريخي وقدرتها الخلّاقة على الامتصاص وإعادة التشكيل، بحيث تصبح بيزنطة لا نموذجًا جامدًا، بل مصفوفة حضارية مستمرة الأثر عبر العصور.

وقبل ختم هذا المبحث، سينتفض البعض بقول أن الهندسات الرومانية اليونانية البيزنطية ماهي إلا استلهام لبنايات الحضارات الشرقية القديمة. والجواب على هذا من أسهل الأجوبة في مجال التاريخ:
يجب أن نعرف أن الحضارات القديمة هي قديمةٌ بما يكفي لتختفي أثارها وتنقطع تماما على أهلها وعلى العالم أجمع، ولأن شعوب تلك الحضارات في ذاتهم قد هلكوا أو نزحوا، وأن تلك البلدان قد عمّرها شعوب لا علاقة لهم بحضارة تلك الأرض، كمن سكن مصر من غير الأقباط، وبلاد فارس من غير الفرس، فهم لم يفهموا ما الأهرام وما القصور الفرعونية، ولم يستطيعوا تقليدها وتكرارها أبدًا، بل لم يفكوا لغزها حتى جاء الغرب ليفعل ذلك عنهم، فعن أي استمرارية حضارية واستلهام يحدثنا هؤلاء الذين يقرصنون مجهودات الغير؟ أين هي  حدائق بابل المعلقة وأين هو برج بابل من جديد؟، من الألف الثالثة قبل الميلاد إلى يوم الناس هذا؟ علينا أن لا نصنع توهّمَا، وأن نعترف للناس فضلهم، كما فضّل الله هذه الشعوب بالاسلام وانطلاق الدعوة منهم إلى العالمين.

كل الصور المرفقة تعود لفترة ما قبل الإسلام. ( معظمها في القرن الرابع 301-399م)
ونجد أن الجامع الأموي وجامع قرطبة وجوامع ومرافق أخرى في العالم الاسلامي، خاصة في الاندلس، ما هي سوى نسخة مُبسّطة عنها (بسبب حذف الصور والنُصُب وما هو نصراني)

#عمادالدين_زناف #الأندلس






 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مذكرة الموت Death Note