التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الانحياز التاريخي


الانحياز  التاريخي وتفشي مرض الوهمالانحياز  التاريخي وتفشي مرض الوهم.
مقال مفصّل لإنهاء العبث الفايسبوكيّ!

تكلمت في السابق، وكذا في كتابي الشفق، عن الانحياز التاريخي في الأدب من باب ما يُسمى الرواية الوطنية، والرواية الوطنية صُنعت لتُمجّد مَرحلة تاريخية من تاريخ البلد، أو لتمجّد شخصيات أو أحداث مُعيّنة، أو أسرة حاكمة، وغيرها من الأمور التي تعمل على بناء لا وعي تاريخي جمعي لذا أبناء ذلك البلد، ولبعث روح الفخر وتعزيز الوحدة والتماسك الوطني فيهم. سواءً كانت الرواية التاريخية حقيقية أو محض خيال، فالنتيجة واحدة، بناء مخيّلة على أن تلك الأرض تحمل تاريخاً يفخر به الكبير والصغير، ومن هذا الجانب، لا يخلو بلدٌ من هذا، فلكل بلد رواياته التي تمجّد وتعظّم تاريخه، أو لنقل مرحلة أو مراحل متقطّعة من ذلك التاريخ. فالرواية التاريخية تختار بعناية تلك الأمور التي تريد إظهارها، والأخرى التي تريد طمرها، فلا يخلو بلد من نكسات وهزائم، فلا يوجد قاعدة شاذة لهذه الحتمية التاريخية، بيدَ أن الرواية الوطنية لا تتعاطى مع هذا الجانب، وان تعاطت، فسيكون من باب تمجيد البطولات كذلك، فتجعل الهزائم انتصارات من أبواب أخرى أيضاً. لهذا صُنعت الرواية الوطنية، ولو افترضنا أن بلداً اعتمد على التاريخ بجفائه وقساوته وحقائقه، لما قام لذلك البلد قائمةٌ، ولا افتخر أي شعب بوطنه إلا نزراً يسيراً. 
وإن الرواية الوطنية تجمع ولا تفرّق، فهذا هو خيرها، فهي توحّد الشعب على كلمةٍ سواء، أبطالهم وقصصهم وتوسعاتهم محفوظة عند الصغار والكبار، وهذا ما يضفي الولاء المعنوي لتلك الأرض.
لكن الانحياز التاريخي مشاكله أكثرَ من حسناته، فإذا عطفت الرواية الوطنية وهي تأخذ حجما أكبر من حجمها المعنوي داخل الشعب الواحد، فالانحياز التاريخي يطمس ويتعدى على شعوب أخرى بتاريخها وخصوصياتها. يحدث هذا عندما لا يتشبّع البلد برواياته المحليّة، أو عنما تتآكل الرواية الوطنية عنده، ولا يصبح لها تأثيراً محفزاً ولا مخدّراً.
فيعمل صناع الروايات التاريخية على بعت الرواية من جوانب أخرى، وهي جوانب تُحيي وتُقدّس بعض الفترات التاريخية في نفوس تلك الشعوب، لإعادة ضخّ تلك الدماء المتكبّدة من جراء تكرار نفس الروايات، والإنسان والشعوب ملّالة الطبع، تستاء من التكرار، وصناع التاريخ لا يتوقفون عن تزيين التاريخ عن طريق رمي البدلات الجديدة عليه من حين إلى آخر.
والمعلوم أن لكل بلدان العالم فترات انكماش، وفترات توسّع، وقد يدوم الانكماش قروناً، والتوسع سنة واحدة، فيأخذ لصّ التاريخ تلك السنة ليجعلها رمزاً لتاريخ وطنه، وذلك عن طريق الاعتداء عن الآخر، دون أن يذكر أن التاريخ كرٌّ وفرّ، احجامٌ واقدام، يومٌ يَحتَلّ، ويومٌ يُحتلّ. فقد عرف العالم إلى غاية ليلة الحرب العالمية الأولى توسع وتكمّش كل الدول التي نعرف اليوم، فليس هناك دولة لم تعرف تفتحاً جغرافياً ولا تضييقاً، وليس هناك حالة شاذّة. 
فإذا اعتمدنا عن فترة زمنيّة معينة، وجمّدنا التاريخ عندها، فهذا يعد انحيازٌ تاريخي، والانحياز كما نعلم ليس من العلم والحقيقة في شيء، لأن الاستقرار ليس من سنة الحياة، فالحياة دُول، ومن يعتقد أنه لا يدول مع التداول، فهو يرى نفسه أعلى من الحياة والمنطق والعلوم.  ثم إن لصّ التاريخ قد لا يتفطّن لفخّ الانحياز الذي يُسوّق له، ففترة الانفراج الجغرافي ليست من لدنّ العدم، فلا يخلو بلدٌ من التأثر الحضاري والثقافي والفكري، فقد يكون سبب ذلك الانفراج والتوسع حضارة أخرى، فيتناسى فضل التراكمات الحضارية التي احتضنها، وينسب الفضل لنفسه، وذلك التوسع غالبا لا يعود إلا ومعه ثقافات كل الجغرافيا التي توسع فيها، فلا يصبح أصيلاً كما ذهبَ. وقد يتناسى لصّ التاريخ، أن الخرائط لا تمثّل القِلاع، ولا تمثلّ الولاء، فلو أخذنا إمبراطورية فرنسا التي ابتلعت معظم أوروبا في فترة معينة، لم تجعل من الايطاليّ والسويسريّ والبولوني والهولندي، ثم بعده الجزائري فرنسيين! ولو كان ذلك حقاً، لظهر عليهم من عاداتهم وثقافاتهم ولسانهم، سواءً بالسلب أو بالإيجاب لنبقى محايدين تاريخياً.  فالتوسع المقصوص عن التاريخ الكامل وهم لا يجب أن يُستعمل أبداً، فهو دليل على ضعف وقلة حيلة، واللجوء إلى فترات سحيقة اعتراف بنفاذ الحِيل الحديثة، فالتاريخ لا يُستعمل بتلك الطريقة، وكسب ثقة الشعوب وتعزيز روحهم الوطنية لا تكون باستعمال العوامل والمؤثرات الخارجة عن الحدود، فهذا يبرز التآكل الداخلي، ولا يزيد من الإحباط سوى إحباطاً أثقل، والواقع لا يُعالج بالفانتازيا ولا بتجميد فترة تاريخية، الواقع هو الحياة اليومية، هو الاكتفاء، هو الانحياز للحقيقة من حيث أتت، ببناء مشاريع، وتعزيز وحدة الوطن بروايات وتاريخ لا يمس الآخر، فالاكتفاء بالذات دليل قوة وعظمة وإن مستهم الأيام والسنين.

المقال 308
#عمادالدين_زناف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ابن بطوطة.. الذي لم يغادر غرفته

ابن بطوطة، الرّحالة الذي لم يغادر غرفته. مقال عماد الدين زناف. ليسَ هذا أول مقال يتناول زيفَ الكثير من أعمالِ المؤرخين القدامى، الذين كانوا يكتبون للسلاطين من أجل التقرّب منهم، ومن ذلك السعيُ للتكسّب، ولن يكون الأخير من نوعه. الكتب التاريخية، وأخص بالذكر كتب الرّحالة، هي عبارة عن شيءٍ من التاريخ الذي يضع صاحبها في سكّة المصداقية أمام القارىء، ممزوجِ بكثيرٍ من الروايات الفانتازيّة، التي تميّزه عن غيره من الرحالة والمؤرخين. فإذا اتخذَ أحدنا نفس السبيل الجغرافي، فلن يرى إلا ما رآه الآخرون، بذلك، لن يكون لكتاباته أيّ داعٍ، لأن ما من مؤرخ ورحّالة، إلا وسُبقَ في التأريخ والتدوين، أما التميّز، فيكون إما بالتحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي، أو بابتداع ما لا يمكن نفيُهُ، إذ أن الشاهد الوحيد عن ذلك هو القاصّ نفسه، وفي ذلك الزمن، كان هناك نوعين من المتلقين، أذن وعين تصدق كل ما تسمع وتقرأ، وأذن وعين لا تلتفت إلا لما يوافق معتقدها أو عقلها.  الهدف من هذا المقال ليس ضربُ شخص ابن بطوطة، لأن الشخص في نهاية المطاف ما هو إلا وسيلة تحمل المادة التي نتدارسها، فقد يتبرّأ ابن طوطة من كل ما قيل أنه قد كتبه، ...

أخلاق العبيد، نيتشه والمغرب الأقصى

مفهوم أخلاق العبيد عند نيشته، المغرب الأقصى مثالا. مقال عماد الدين زناف. فريدريش نيتشه، حين صاغ مفهومه عن «أخلاق العبيد» في مُعظم كتبه، لم يكن يتحدث عن العبودية الملموسة بالمعنى الاجتماعي أو الاقتصادي، أو بمعنى تجارة الرّق. بل تحدّث عن أسلوب في التفكير نِتاجَ حِقدٍ دفين وخضوع داخلي يولد مع الأفراد والجماعة. إذ بيّن أن الضعفاء، العاجزين عن تأكيد قوتهم، اخترعوا أخلاقًا تُدين الأقوياء، فرفعوا من شأن التواضع والطاعة فوق ما تحتمله، حتى أنها كسرت حدود الذل والهوان. ومن هذا المنطلق يمكن رسم موازاة مع خضوع شعب المغرب الأقصى لنظام المخزن. إذ أنها سلطة شكّلت لعقود علاقة هرمية تكاد تكون مقدسة بين الحاكمين والمحكومين. وما يلفت النظر هو أنّ هذا الخضوع لم يُقبل فقط بدافع الخوف والريبة، بل تَمَّ استبطانه كفضيلة بل وعمل أخلاقيًا. فالطاعة أصبحت عندهم حكمة، والعبودية وَلاءً، والاعتماد على الغير، أيًّ كانت مساعيه في دولتهم عبارة عن صورة من صور الاستقرار. نيتشه قال «نعم للحياة»، لكنها استُبدلت بـ«لا» مقنّعة، إذ جرى تحويل العجز التام على تغيير الظروف إلى قيمة، وتحويل الذل إلى فضيلة الصبر، وعندما عبّر قائلا...

مذكرة الموت Death Note

إذا كُنت من محبّي المانجا و الأنيم، من المؤكد أنه لم تفتك مشاهدة هذه التُّحفة المليئة بالرسائل المشفّرة. هذا المسلسل اعتمد على عدّة ثقافات و إيديولوجيات و ارتكز بشكل ظاهريّ على الديكور المسيحي، في بعض اللقطات و المعتقدات. المقال الـ104 للكاتب Imed eddine zenaf / عماد الدين زناف  _ الرواية في الأنيم مُقسّمة الى 37 حلقة، الشخصيات فيها محدّدة و غير مخفية. تبدأ القصة بسقوط كتاب من السّماء في ساحة الثانوية موسوم عليه «مذكرة الموت» ،حيث  لمحه شاب ذكيّ يُدعى ياغامي رايتو، و راح يتصفحه، احتفظ به، رغم أنه أخذها على أساس مزحة ليس الّا، و بعد مدّة قصيرة اكتشف ان المذكرة "سحريّة"، يمكنه من خلالها الحكم على ايّ كان بالموت بعد اربعين ثانية من كتابة اسمه و طريقة موته بالتفصيل. لم تسقط المذكرة عبثاً، بل اسقطته شخصية تُسمى ريوك، من العالم الآخر، وكانت حجة ريوك هي: الملل والرغبة في اللعب. كلُ من يستعمل مذكرة الموت يطلق عليه اسم " كيرا".  بعدها تسارعت الأحداث بعدما أصبح "كيرا" يكثّف من الضحايا بإسم العدل و الحق، فقد كان منطلقه نبيلاً: نشر العدل و القضاء على الجريمة في الأرض....